header3.jpg

عزَّابة (إعزابن)

العزَّابة هيئة محدودة العدد، تمثل خيرة أهل البلد علما وصلاحا، وهذه الهيئة تقوم بالإشراف الكامل على شئون المجتمع الإباضي؛ الشئون الدينية، والشئون التعليمية، والشئون الاجتماعية، والشئون السياسية. وهي في زمن الظهور والدفاع تمثل مجلس الشورى للإمام أو عامله ومن ينوب عنه، أما في زمن الشراء أو الكتمان فهي تمثل الإمام وتقوم بعمله.
تختار هيئة العزَّابة من بينها شيخاً يسمى (شيخ العزَّابة) يكون أعلمهم وأكثرهم كفاءة، ولا يشترط فيه أن يكون أكبرهم سناً، والشيخ يرأس الهيئة في جلساتها، ويمثلها في جميع أعمالها، ويتكلم باسمها، وينفذ قراراتها، ويتولى الإشراف المباشر على جميع شئون البلد أو الأمة، ويجب أن تعرض عله جميع المشاكل والأحداث، وحكمه بعد قرار الهيئة نافذ في جميع الأحكام.

إشتقاق كلمة العزَّابة:
اشتقت هذه الكلمة من العزوب أو العِزابة، وهي تعني العزلة، والغربة، والتصوف، والتهجد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الإستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة، والإعراض عن حظوظ النفس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإن العزَّابي لا يعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلا القليل، أما أعظم طاقاته فيجب أن يصرفها لله في خدمة المسلمين، دون مقابل يتقاضاه على عمله، أو أجر يرجوه منهم، لأن أجره وحسابه على الله.

معنى كلمة الحَلقَة:
كلمة الحلقة استعمال ثان يقصد به هيئة العزَّابة، فهي مرادفة لها. وقد أخذت هذه الكلمة من التحليق، وهو الاستدارة، وذلك أن العزَّابة في اجتماعاتهم الرسمية يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، وهو أنسب وضع لتبادل الآراء، ودراسة وجهات النظر المختلفة.
كما أن الجلوس على هذا الوضع أفضل حال عند الدراسة، أو تلاوة القرآن الكريم، والاتجاه إلى الله بالدعاء.

مقر العزَّابة:
المقر الرسمي للعزابة يكون في المسجد، ولذلك فلزام أن يكون في جانب من جوانب المسجد بيت خاص بالعزَّابة، ويستحسن أن يكون بعيداً عن مجالس الناس، حتى لاتسمع المداولات التي تجري فيه، وهذا البيت الخاص بهم لايجوز لغيرهم الدخول إليه مطلقاً، ويتحتم على الجدد منهم أن يقوموا بتنظيفه ومراقبته وفرشه وملاحظة جميع ما يلزمه، وفيه تحفظ وثائقهم فلا يطلع عليها أحد غيرهم. وجميع المداولات والمناقشات والمباحث التي تجري داخله تعتبر سرية، لا يجوز اخراجها، وإفشاؤها لأي سبب من الأسباب، ماعدا القرارات التي تتخذ للتنفيذ فيتولى الشيخ إعلانها، وقد ينوب عنه أحد الأعضاء الآخرين؛ ولا يجوز للعزابة أن يناقشوا أي موضوع في غير مقرهم الرسمي، وبعد أن ينتهوا إلى قرار في أي موضوع يحق لهم أن ينتقلوا إلى مكان آخر لتنفيذ ذلك القرار، إذا كان تنفيذه يقتضي منهم الإنتقال، وإذا أصدروا أمراً في شأن من الشئون الاجتماعية للبلد، كتحديد المهور، أو تحديد الأسعار، أو بدء العمل في المواسم الزراعية، أو ما شاكل ذلك، فلم يستجب الجمهور لقرارهم اعتصموا في مقرهم، ولزموا المسجد دون أن يقوموا بأعمالهم المعتادة، وامتنعوا من دخول الأسواق والبلد، حتى يستجيب الناس للحكم، ويقوموا بتنفيذ الأمر، ولم تحدث مثل هذه الحالة عند الإباضية في ليبيا، إلا عدداً قليلاً من المرات، استجاب فيها الناس لأمر العزَّابة بأسرع مايمكن، بل لقد كان الناس يسارعون حين يسمعون بمثل هذا الموقف من العزَّابة، فيقنعون بعضهم، ويبلغون موافقتهم إلى المجلس قبل حضور وقت الصلاة الثانية، فتسير الأمور في معتادها.

عدد أعضاء الحلقة:
يتراوح عدد أعضاء الحلقة بين عشرة أعضاء وستة عشر عضواً، يوزع عليهم العمل كما يأتي:
شيخ العزَّابة: ويكون أعلم القوم، وأقواهم شخصية، وأقدرهم على حل المشاكل.
1- المستشارون: ويكون عددهم أربعة لايزيدون ولا ينقصون. ويلزمون الشيخ، ولا يقطع أمراً دون موافقتهم.
2- الإمام: شخص واحد، يقوم بصلاة الجماعة، ويجوز أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
3- المؤذن: وهو شخص واحد مسئول عن تحري أوقات الصلاة، والقيام بمهمة الأذان، ويصح أن يكون أحد الأربعة المستشارين.
4- وكلاء الأوقاف: يخصص عضوان للإشراف على الأوقاف، وعلى ميزانية الحلقة. وضبط الواردات والصادرات. وطريقة إصلاح وتنمية الأوقاف، ويشترط في هذين العضوين بالإضافة إلى الشروط العامة لأعضاء الحلقة، أن لايكونا من الأغنياء المكثرين، ولا من الفقراء المعوزين، ولكن من متوسطي الحال المستورين.
5- المعلمون: يخصص ثلاثة أعضاء أو أكثر أوأقل حسب الحاجة، للإشراف على التربية والتعليم، وتنظيم الدراسة، ومراقبة التلاميذ في المحاضر. وهي دور التعليم. أو في الأقسام الداخلية. وما إلى ذلك من شئون التعليم.
6- حقوق الموتى: يخصص أربعة أعضاء أو خمسة للإشراف على حقوق الموتى، فيتولون الإشراف على غسلهم، وتجهيزهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، ومراقبة تنفيذ وصاياهم، وتقسيم تركاتهمم حسب الفرائض في أحكام الإسلام.
وإذا توفى شخص وهو في براءة المسلمين بأن مات على معصية، فإن هؤلاء العزَّابة لايقومون بحقوقه، لأن العاصي لاحق له على المؤمنين، ولكنهم يسمحون لمن شاء من غير أعضاء الحلقة أن يقوم بتلك الحقوق، ذلك أن القيام بأمور الميت فرض على الكفاية، إذا قام به البعض أجزى عن الباقين.

شروط العضوية:
يشترط في أعضاء العزَّابة عدة شروط منها:
1- أن يكون حافظاً لكتاب الله.
2- أن يمر بمراحل الدراسة مرحلة مرحلة، ويستوفي الدراسة فيها.
3- أن يكون محافظاً على الزي الرسمي للطلبة عندما كان في الدراسة، والزي الرسمي للعزَّابة عندما يدخل الحلقة.
4- أن يكون أديباً كيساً فطناً، ذا لباقة ومهارة في تصريف الأمور.
5- أن يكون محباً للدراسة راغباً فيها، مواصلاً للتعلم والتعليم.
6- أن لا تكون له مشاغل دنيوية كثيرة تحمله على كثرة التردد على الأسواق، والإختلاط بالعامة والسوقة، اختلاطا يزري بمقامه، ويذهب بهيبته.
7- أن يغسل جسده بماء، ويغسل قلبه بماء وسدر، وهذه عبارة اصطلاحية، يقصد منها أن يكون الإنسان نظيف اليد، والبطن، والعين من أموال الناس، وأن يكون نظيف القلب من جميع أمراض القلوب، أي أن يكون طاهر الباطن و الظاهر.
وقد شرح أبوعمار عبدالكافي هذه العبارة بقولة: (أماالجسد فيغسله من الدنس في الناس، وأما القلب فيغسله من الغش والتكبر وما أشبه ذلك مما يوجب حبط العمل) والعبارة كما ترى في غاية الدقة، وهي تحتمل أكثر مما أشرت إليه وأشار إليه العلامة أبوعمار، فتأملها، فكلما تأملتها وجدت فيها معنى جديداً…
ولقد شدد المشائخ في تنظيف المؤمن لقلبه، لأن أدران القلوب أشد قذارة من أدران الأبدان، ولذلك أوجبوا عليه أن يغسل جسده بالماء، وأن يغسل قلبه بماء وسدر، وهي كناية تفيذ الحرص الشديد على نظافة الباطن أكثر من نظافة الظاهر، فإن من طهرت سريرته حسنت سيرته، واستقامت أموره، وكثرت محاسبته لنفسه، ورعايته لسلوكه، وفي ذلك نجاح.

واجبات الحلقة:
على هيئة العزَّابة واجبات أكيدة هي مسئولة عنها باعتبارها هيئة، وتتخلص هذه الواجبات فيما يلي:
الإشراف على التعليم وتهيئة الوسائل لذلك، وتيسير السبل أمام جميع الأطفال لينالوا قسطا من الدراسة، ويتعلموا جزءا من القرآن الكريم وما يعرفون به أمور دينهم، وهذا أقل ما يمكن أن يتاح للطفل، فإذا كانت أسرة الطفل فقيرة بحيث لا تستغني عن مجهوده الضعيف، أو ليس لها ما تمونه به أوقات الدراسة وجب أن تقدم له مساعدة، وذلك بالإنفاق عليه.
1- مراعاة الحالة الإجتماعية للناس، وتيسير سبل الحياة للفقير والضعيف، وإيجاد العمل للجميع، وذلك بمطالبة الأغنياء وأصحاب اليسار أن يستعينوا بالفقراء في إنجاز أعمالهم مقابل أجور، كثيراً ما يعيّنها أعضاء العزَّابة.
2- حل المشاكل التي تنجم بين الناس، والفصل في قضاياهم، والحكم بينهم في خصوماتهم، وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
3- الإشراف على أوقاف المساجد. وعلى ميزانية الحلقة أو ضبط الصادر والوارد، وإنفاق جميع ذلك في وجهه، والعمل على تنمية الأوقاف الثابتة، وإصلاحها، واستغلالها أحسن إستغلال.
4- حفظ الأسواق ومراقبتها من أن تقع فيها معاملات لا يبيحها الشرع، أو أن ترد إليها أموال مسترابة أو مشبوهة.
5- تنظيم الحراسة البلدية على أموال الناس من زراعة وماشية حتى لا تصل إليها أيدي الغارة والسرقة والإضرار.
6- الحكم على العصاة والمجرمين وتأديبهم، وإعلان البراءة منهم، وقطع التعامل معهم حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الله.
7- القيام بالعلاقات الخارجية وتنظيمها، سواء كانت علاقات حرب أو سلام.
هذه بعض المهام التي تناط بمجلس العزَّابة باعتباره هيئة مسئولة عن المجتمع أمام الله وأمام الناس، وعلى الهيئة أن توزع الأعمال على الأعضاء حسب الكفاءة والمقدرة، والذي يقوم بذلك إنما هو الشيخ بعد اتفاق الحلقة.

أين تنشاء حلق العزَّابة:
تنشاء حلق العزَّابة في كل بلد أو قرية، وحلقة العزَّابة هم الذين يشرفون على أمور البلد أو القرية الخاصة، فإذا كان هنالك أمر هام، أوحدث أكبر من مستوى القرية أو البلد رفع إلى المجلس الأعلى للعزابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر، أوحاكم الجبل حسبما كان في جبل نفوسة، وذلك كمسائل إيقاع الحدود، وما يتعلق بالأمن العام، وما إلى ذلك من المشاكل التي تكون أكبر من المستوى المحلي للقرية، والهيئة الكبرى للعزابة أو الهيئة العامة لهم هي الهيئة التي يرأسها الشيخ الأكبر، ولابد أن يكون شيخاً للعزابة في بلده ويقوم مقام الإمام في أزمنة الكتمان، أما أعضاء العزَّابة الذين يكونون معه فهم المستشارون، ويكونون من شيوخ حلقة العزَّابة في بلدانهم. ومقرهم هو مركز البلاد وعاصمتها، ولهم مع الشيخ اجتماعات دورية، مرة في كل ثلاثة أشهر، ومتى دعت الحاجة. وأحكام هذا المجلس نافذة على جميع البلاد، وكل الحلق خاضع مادياً وأدبياً لهذا المجلس، ويعتبر السلطة الحقيقية للمجتمع الإباضي، أما بقية الحلق فهي مساعدة له، منفذة لأعماله، ويجب على الشيخ الأكبر للعزابة أن يكون مقر حكمه في مركز البلاد، فإذا اختار السكن في غير ذلك المكان فعليه أن يباشر الأحكام في مركز الحكم لا في محل السكن كما كان يفعل أبوهارون موسى بن هارون، وأبوعبدالله بن جلداسن اللالوتي، وأبويحيى الأرجاني، وغيرهم.
إن شيخ العزَّابة في المجتمع الإباضي يمثل سلطة الإمام العادل، ويقوم بجميع مهامّه في النطاق الذي تسمح به ظروف الحياة في زمن كل واحد منهم. وهو مقيد بمجلس الشورى الذي لا يحق له أن يصدر رأيا قبل موافقته، اللهم إلا في الأحكام الثابتة في الدين الإسلامي. وله أن يستعين بشخص يقوم له مقام المفتي. والقصد من هذا المفتي هو تحرير نصوص الحكم المستمدة من الشرع الشريف. أو المساعدة على ترجيح الأقوال في المسائل الخلافية التي تتعدد فيها وجهات أنظار الفقهاء. وليس المقصود من وجود المفتي أن يبصر الشيخ بأحكام لايعرفها. لأن شيخ العزَّابة يشترط فيه أن يكون من أعلم المشائخ، إذا لم يكن أعلمهم.
وفي الإجتماعات الدورية التي تعقد في ثلاثة أشهر أو في ستة أشهر، يحضر ممثلون عن جميع حلق العزَّابة. ويستعرضون مالديهم من مشاكل، ويدرسون معا وضع المجتمع. ويتخذون في ذلك القرارات اللازمة. ويرسمون خطط السير في المستقبل، على أنه يحق لكل حلقة أن تتصل بالمجلس الأعلى وتدعوه للإنعقاد إذا كانت هنالك أسباب تدعوا إلى ذلك. كما أن لها الحق أن تعرض مشاكلها الخاصة على الشيخ الأكبر، وتقتبس منه الرأي والنصيحة.
ويمثل كل حلقة من حلق العزَّابة شيخها وبعض مستشاريه، إلا في أحوال الضرورة التي يتعذر فيها عليه أن يقوم بهذه المهمة.

اختيار أعضاء الحلقة:
يراعى في اختيار العزَّابة بالإضافة إلىالشروط التي يجب أن تتوفر في كل شخص أن يكونوا ممثلين للقبائل أوالجهات التي يشتمل عليها البلد، ولايشترط تساوي العدد، كما أنه إذا لم يوجد في قبيلة ما من تتوفر فيه الشروط الشخصية أخذ من غيرها، وعندما يحتاج العزَّابة إلى إضافة عضو جديد إلى الحلقة يأخذونه عن أحد طريقين:
إما أن يطلبوا من القبيلة التي يراد أخذ العضو منها أن ترشح عدداً ممن تتوفر فيهم شروط العضوية، والكفاءات المطلوبة مع الشهرة بالصلاح، والتقوى، والعفاف، والنزاهة، وحب الخير، والإيثار والتضحية، والعمل للصالح العام، فتختار الهيئة واحداً منهم: وإما أن يطلبوا إلى منظمة (إيرْوَانْ) أن يقدموا إليهم واحدا ممن يملاء ذلك الفراغ.
حين يتعين العضو لأن يشغل مركزاً في العزَّابة، يدعى إلى مقرهم الرسمي، ويتولى الشيخ تعريف بالسيرة التي يجب عليه أن يسيرها، وبالأدب الذي يلتزمه ويؤكد عليه أن يعرف أن من أوكد الواجبات عليه أن يحافظ على آداب الإسلام، ويتخلق بأخلاقه الحميدة، من الاستقامة والنزاهة، والعفة، والانقطاع إلى خدمة الأمة، والتزام المسجد، والإعراض عن حظوظ الدنيا ألا بمقدار الضرورة، والاجتهاد في العبادة، والتواضع للمؤمنين، والغلظة على العصاة والمجرمين، وأن يكون قدوة حسنة للناس في قوله وفي عمله، وأن يتحرى في رزقه التحري الكامل، ويختار له أن يكون مجال احترافه الزراعة، لأن التجارة تسبب له احتكاكاً مباشراً بالناس، فيغلب أن لا يسلم منها بالحق أو بالباطل، وهم يلخصون هذا الموقف في عبارة مشهورة متداولة هي:-
(أن لا يكون في غير مسجده، أو حلقه أوبيته)، وبعد أن يعرف بجميع ما يترتب عليه من حقوق وواجبات، وما يلقى عليه من مهام ومسئوليات، يطلب إليه أن يعلن عن قبوله أو رفضه، فإذا أعلن قبوله – وهذا ما يحدث فعلاً- أسندت إليه المهام العلمية، كأن يقوم بالتدريس أو وكالة المسجد، أو الاشتراك في الإشراف على حقوق الموتى، ثم أعلم أنه يعتبر أصغر العزَّابة. ولو كان أكبر من بعضه سناً، وعليه أن يتولى خدمتهم، ويطلب إلى سلفه –أي العزَّابي الذي كان أصغرهم قبل هذا العضو الجديد- أن يبقى معه ثلاثة أيام، يدربه فيها على آداب خدمة العزَّابة، لأنه يعتبر رئيسه المباشر، وعندما يجلس العزَّابة يتحتم أن يكون مجلسه بعده … وترتيب مجالس العزَّابة ضروري، فلايجوز للمتأخر أن يسبق المتقدم، والعزَّابي يعتبر رئيساً في أي مكان يوجد فيه، وله وحده حق افتتاح الكلام في المجالس العامة، وكذلك اختتامه، وإدارة المناقشات، وما إلى ذلك، فلا يجوز لتلميذ أو عامي أن يتولى شيئاً من ذلك إلا بإذنه.

عقوبة العزَّابي:
المطلوب من العزَّابي أن يكون قدوة ومثلا للاستقامة، ولذلك فإن ما يعتبر من غيره أخطاء صغيرة يعتبر منه أخطاء كبيرة يجب عليه الاحتراس منها، والابتعاد عنها؛ وهذا حتى في مكارم الأخلاق، ومعاملة الناس، فإذا قدر عليه فأخطأ، نظر مجلس العزَّابة في موضوعه:
فإن كان الخطأ كبيراً يتصل بمعصية الله، ويسيئ إلى سمعة العزَّابة، أويلحق إهانة بالمسجد، أو استخفافا بالحق، أو ما أشبه ذلك، وجب عليهم أن يحكموا عليه بالبراءة على الأشهاد، كما يقع بالنسبة لغيره من الناس، ولا يرفع عنه حكم البراءة حتى يتوب علناً، وليس له بعد ذلك حق الرجوع إلى مجلس العزَّابة أبداً، فإن من أخرج من هذا المجلس بطريق البراءة لايحق له دخوله مرة ثانية، وإن تاب ونصحت توبته، ويبقى كسائر المسلمين له حقوقهم وعليه واجباتهم.
أما إذا كان الخطاء صغيراً لايقتضي التوبة، فإنهم يعقدون له مجلس تأديب سري، وقد يحكمون عليه بالإبعاد عن مجلس العزَّابة لمدة طويلة أوقصيرة حسب الخطأ الذي ارتكبه، وستروا عليه ذلك عن الناس.
وسبب هذا الحكم كان العزَّابة من أشد المحافظين على الإسلام وآدابه، وقد لخص أحد المشائخ هذه السيرة في عبارة لطيفة فقال: (إن مُـتـَولي الناس مثل اللبن يغيره أي شيء يقع عليه).

كيف تكون نظام العزَّابة:
في أواخر القرن الثالث الهجرى وقعت حادثتان كبيرتان، وكان لهما أثر كبير على الإباضية، في ليبيا وتونس والجزائر:
الأولى الحرب الطاحنة بين الأغالبة والإباضية في قصر مانو، وقد تلقى فيها الإباضية ضربة عنيفة من يد الطاغية أحمد بن الأغلب.
أما الثانية فهي تغلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وقضائهم على هذه الدولة.
وإذا كانت كلتا الدولتين الأغلبة والشيعية لاتتبعان أحكام الإسلام، ولاتعملان بها، فقد فكر علماء الإباضية في جعل نظام يسيرون عليه، يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيِّـرون به الأمة في الوجهة الصالحة، دون أن يلتجئوا إلى إعلان دولة جديدة، أو يتعلقوا بدولة ظالمة مستبدة.
فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، وقد كان في أول الأمر عُرفاً يسير عليه الناس، حتى جاء الإمام الكبير أبوعبدالله محمد بن بكر في أواخر القرن الرابع، فحرره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثم طبقه تطبيقاً كاملاً في مواطن الإباضية، في ليبيا، ثم في تونس، ثم في الجزائر، حيث لايزال يطبق بدقة؛ وعلى هذا الأساس اعتبر المؤرخون أن الإمام أبا عبدالله هو واضع نظام العزَّابة، والحق أنه يعتبر واضعاً لهذا النظام؛ فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسقة، وقد جاء بعد أبي عبدالله عدد من العلماء الكبار عنوا بدراسة هذا النظام عناية خاصة، وأضافوا إليه بعض المواد، وأطلق عليه بعضهم لفظ (سيرة العزَّابة)، و من العلماء الذين عنوا به، وكتبواعنه: أبوزكريا يحيى بن بكر، وأبوعمار عبدالكافي، وأبوالربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وقد حرص المتأخرون منهم أن يضيفوا إليه جملا في آداب العالم والمتعلم. وآداب حلقة العزَّابة وما يجب أن تتنزه عنه.
والذي يدرس هذا النظام كما شرحه أولئك الأئمة الأعلام يخرج بقانون فذ لنظم التربية والتعليم من جهة، وللسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم ودينهم، عندما تسيطر عليهم دول البغي والعدوان.
كما كان ذلك عند الإباضية في الجزائر، رغم ما بدلته فرنسا المستعمرة الظالمة الباغية …

قوة العزَّابة:
استطاع العزَّابة أن يحتفظوا بهذا النظام طيلة قرون طويلة، و أن يعملوا به وأن يطبقوا بمقتضاه الأحكام على جميع الأفراد، دون أن يشذ منهم شاذ، أو يتكبر عليهم متكبر.
فماهو السر الذي منحهم هذه القوة وأسلس إليهم قياد الناس، فكانوا يتقبلون أحكامهم ويستجيبون لأوامرهم، لايحدثون شغباً، ولايظهرون تمرداً…
إن لذلك سببين هامين:
الأول: الشخصية القوية التي تتمتع بها هيئة العزَّابة بسبب الصفحات المثالية التي تتصف بها الحلقة كهيئة، وأعضاء العزَّابة كأفراد، فإن المؤمن عندما يلتزم آداب الإسلام، ويسير بهديه، ويسير السيرة الرضية، يكون موضع الإحترام والتقدير والطاعة من جميع الناس، وتسلس له أزمة القيادة، إذا تولى ذلك في مجتمع أو أمة.
الثاني: حكم الولاية والبراءة الشخصيتين: هذه القاعدة الهامة التي يختص بها الإباضية دون غيرهم من المذاهب فيما أعرف. وكلمة الولاية تعني الحب في الله، وكلمة البراءة تعني البغض في الله. والولاية حق لكل مسلم مستقيم عرفت فيه التقوى والوقوف عند حدود الله، أما البراءة فواجب على كل مؤمن أن يعلن براءته وبغضه للعصاة المجرمين. حتى يتوبوا إلى الله.
ولما كانت هيئة العزَّابة هي المسئولة عن تنفيذ أحكام الله، فإن من واجباتها عندما يثبت لديها انحراف عن دين الله في أي شخص. أن تعلن عليه حكم البراءة وعندما يعلن حكم البراءة على شخص، سرعان ما يتبدل وجه الحياة لديه، فيفقد ما كان يجده من حسن المعاملة، وإشراقة الحب في الله، ويتجافى عنه الأصدقاء ويتجافى عنه الأهل والأقارب، ويقطع الناس معاملته إلا بالمقدار الضروري جداً، فيجد نفسه معزولاً عن المجتمع، لاحق له في الحياة الكريمة، ولذلك يضطر إلى التوبة والاستغفار والندم علنا، وفي المسجد، فإذا تأكد مجلس العزَّابة أن الرجل صادق في توبته، نادم على خطيئته، راجع إلى ربه، أعلنوا رفع البراءة عنه.
وعندئذ ترجع إليه جميع الحقوق، ويستمتع بكل ما كان يستمتع به قبل أن يغره الشيطان، وليس من حق أحد بعد التوبة أن يذكره بمعصيته، أو يعيره بماضيه.

المصدر:
علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى – مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ، سلطنة عمان، الطبعة الثانية :1993م

أرسلت من قبل طارق الرويمض في تعاريف,مصطلحات وتحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “عزَّابة (إعزابن)”

  1. غير معروف قال:

    بارك الله فيك
    أخي الكريم شكرا على الحصة

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك