nafousa header

أم يحيى زوج أبي ميمون الجيطالي

كانت حياتها الارتواء من مناهل العلوم والدين والاستغراق في عبادة الله ونشر النور الإلهي بين بنات جنسها، جمعت بين العلم والعمل وبين التحصيل والعبادة وبين العكوف على التأمل والأخذ بيد الحيارى إلى الطريق المستقيم، إنها أم يحيى العالمة الفاضلة والمربية القديرة، سكنت مدينة (أمسيسن” بليبيا، درست على يد كثير من فحول العلماء منهم أبو ميمون الجيطالي، تزوجت أم يحيى من أبي ميمون العالم الذي صدقت فيه فراسة أمه، فلما نزل من الجبل ونظرت إليه من القبة فوق الجبل استصغرت شأنه لما رأته أقصر تلامذته قامة، فلما حلقوا عليه، وأقبل كل واحد منهم يسأل والشيخ يجيب، رأت حينئذ أن الشيخ أطولهم وأعظمهم، فما طلعوا إلى الجبل إلا وهو أعظم الناس في عينيها.
كانت معينة لزوجها على شدائد الحياة ومتطلباتها تقول: (وجدت على أبي ميمون أربعين ديناراً ديناً فقضاها الله عنه بعمل يدي).
وقد آتاها الله ذاكرة حافظة واعية لا تكاد تسمع شيئاً إلا بقي في ذاكرتها ومن ذلك أنها سمعت وهي في طريقها للحج رجلا ينشد قصيدة من ثمانين بيتا فحفظتها كلها، وما ذلك إلا دلالة على قوة حفظها وعمق تركيزها، وكانت آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر لا تبالي في نصيحة المسلمين وقول الحق لا تخاف في الله لومة لائم ومن ذلك ما ذكر عنها أنها ذهبت يوماً إلى المسجد لحضور صلاة الجماعة، وكان المسجد مكتظاً بالمصلين، وعندما بدؤوا للصلاة انطلق صوتها (أم يحيى) يأمر الإمام بالتأخر لأنه ليس أهلاً لأن يصلي بالمسلمين، واستجاب الإمام لصوت الحق فتأخر وتقدم من هو أولى، وتقضي الظروف أن تلتقي أم يحيى في مضيق من الطريق بهذا الرجل الذي آذته في الله فتوجست في نفسها خيفة وخشيت أن تلقى منه بعض ما تكره، ويحس الرجل ما في نفسها، فيقول لها: (امضي راشدة، لولاك لهلكنا، يسر الله لك سبل الجنة).
اشتهرت أم يحيى بالعلم والفضل، وكانت ترى أن الفتاة لا تتم دراستها في مدارس مختلطة يدرس بها الطلبة الذكور، فأنشأت مدرسة خاصة للفتيات، وفتحت بها شبه ما يسمى اليوم بالأقسام الداخلية حتى يتسنى للبعيدات منهن الإقامة في المدرسة، وسرعان ما اجتذبت الفتيات إلى مدرستها وعلمها وحكمتها كما تجتذب الرائحة الطيبة في الروض كرائم الطير، وكانت أم يحيى تقدم لهن الأكل، وتشرف على تعليمهن، فكانت كلماتها تخرج من قلبها صادقة مبرورة تنتقل إلى القلوب وتسكن في الصدور، وتفعل فعلها في الجوارح، واهتمت أم يحيى شخصيا بالإشراف على تربيتهن في بيئة إسلامية صالحة وتطمئن على فهمهن لواجباتهن الدينية والاجتماعية وأنه اكتمل لديهن مقومات المرأة الفاضلة، فطوبى لهذه المرأة التي بذلت نفسها ومالها من أجل طالبات العلم والدين، فما أجمله من موقف عندما أعلنت رأيا لحل مشكلة تعليم المرأة ثم نفذته، وهذا الرأي هو نفسه ما اقتبسه علماء النفس والتربية والتعليم في الوقت الراهن، حين علموا أن الاختلاط في التعليم أحد أهم أسباب الفشل لدى الطلبة والطالبات، ولم يعلموا أن ذلك كان رأي أم يحيى منذ عشرة قرون في قضية تعليم المرأة.
وإلى جانب ذلك لم تنس أم يحيى واجباتها تجاه الحياة الزوجية فكانت نعم الزوجة والمربية، وعندما خرج أبو ميمون للحرب شيّعته، وقالت له: (ادع الله أن يكتب لك السلامة) قال: (ذلك عقد فرغ منه، ولكن ادع الله أن يجعلك زوجة لي في الجنة) فلما استشهد بقيت بعده أم يحيى كهفاً للإسلام ومأوى للأخيار، فكان يجتمع عندها العزابة في ليلة الجمعة يقضون ليلتهم في العبادة.

المصادر:
كتاب (السيرة الزكية للمرأة الإباضية) , بدرية الشقصية , مكتبة الجيل الواعد

أرسلت من قبل طارق الرويمض في أعلام,نساء وتحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك