nafousa header

تنقيب عن الآثار

التنقيب عن الآثار (ما قبل التاريخ)، لعل الهدف الأصلي والوحيد من كل عملية تنقيب يبقى دائما هو اكتشاف آثار الذين سبقونا ومحاولة التعرف عليهم وعلى عاداتهم وتقاليدهم وهمومهم ومشاكلهم اليومية قدر المستطاع.

و إذا كان ضروريا القيام بهذه الحفريات للوصول إلى الأدوات المساعدة واستخراجها ودراستها للتعرف على حقائق الحضارات الغابرة، فان هذه العملية في نفس الوقت هي هدم وتخريب، لأننا حينما نجمع هذه اللقى الأثرية سنعمل على تغيير موضعها الأصلي حث تركها الإنسان القديم منذ سنين خلت.

يجب علينا ان نعرف بان أية قطعة كيفما كان حجمها وشكلها ولونها يمكن ان تكون لها دلالات كبيرة عن وجودها في مكان معين دون غيره، فمكانها الطبيعي يبين ان الإنسان الذي عاش بالمنطقة وضعها بالشكل الذي وضعها لغرض ما. فعلى المنقب إذن ان يسجل جميع الملاحظات والمعطيات حتى التي تبدو له بديهية ودون أهمية.

لكل هذه الاعتبارات، يستجيب ان لا تجرى الحفريات إذا نحن لم نتوفر على الإمكانيات المادية والمعنوية اللازمة وكذا الخبرة الضرورية والوقت الكافي للقيام بها جيدا وفي أحسن الظروف، اللهم إذا كان الموقع مهددا بالخراب والضياع.

تعرى الأدوات داخل كل مربع بحذر وبعناية فائقة حتى تبقى كل قطعة في محلها الأصلي، ويرسم فوق الورق الميلمتري كل مربع على حدة ويسجل مكان واتجاه كل قطعة، ثم تأخذ الصور العامة للمساحة التي تم التنقيب بها، وصور جزئية للمربعات والأدوات (انظر الصورة رقم 2) كما تؤخذ الإحداثيات العمودية  X et Y والأفقية Z  لكل قطعة، وبالنسبة ل Zيختار الباحث نقطة الصفر في بداية التنقيب بمكان ثابت حتى لا تضيع، وبمنطقة يمكن رؤيتها من جميع جوانب الموقع.

و حتى يتسنى للباحث تمديد وقت الحفريات يتم في بعض الحالات تحويل التنقيب إلى المتحف، وذلك إما عم طريق القولبة، أو عن طريق التلفيف.

و للتنقيب في فترة ما قبل التاريخ خاصيات تميزه عن التنقيب بباقي المراحل التاريخية. ولكن تحديد هذه الخاصيات في النطق التالية:

- ان الباحث في الفترات التاريخية يجد عدة آثار ثابتة على الأرض كالأسوار والبيوت والحمامات والفسيفساء… يمكن الاحتفاظ بها في عين المكان وزيارتها بعد عملية التنقيب للتأكيد أو مراجعة بعض النظريات والاستنتاجات، بينما يبحث المنقب في فترة ما قبل التاريخ في غالب الأحيان عن أدوات متحركة يزيلها بعد التنقيب ولا يترك وراءه إلا طبقات جيولوجية عذراء، وبالتالي يمحو اثر الموقع بذاته.

- نوعية الآثار المنقب عنها. إذا كان الهدف من علم الآثار عامة هو التقرب من الذين سبقونا عبر ما خلفوه من أدوات وعمران، فان طبيعة هذه الأدوات وكذا أهميتها تختلف من مرحلة إلى أخرى، وكمثال لذلك بالنسبة لفترة ما قبل التاريخ تجمع عدة لقى لا أهمية لها بتاتا بالنسبة للباحث في الفترات الموالية كالبقايا العظمية للحيوانات والطيور (فقريات، فئران…) التي تعطي فكرة عن المناخ القديم الذي عاش فيه الإنسان وتطوره وكذا الحيوانات والنباتات التي كانت موجودة آنذاك وكمثال ثان نذكر المقابر، ففي الفترة الإسلامية لا تدرس الهياكل العظمية المدفونة بنفس الطريقة التي تدرس بالنسبة لفترة ما قبل التاريخ، وذلك لعدة اعتبارات أهمها، كون طريقة الدفن خلال فترة ما قبل التاريخ تبقى جد مختلفة عن الفترات اللاحقة ولها عدة أساليب، ولكشف أسرارها لا بد من دراستها  من جميع  الجوانب، ثم ان مورفولوجية الهيكل العظمي عرفت تطورا ملحوظا، وللإحاطة بها لا بد من الأخذ بعين الاعتبار لعدة معطيات وجوانب لا يعيرها الباحث بالنسبة للفترات اللاحقة أي اهتمام.

- ان اللقى الأثرية التي تعود إلى الفترات التاريخية تكون مدفونة تحت التراب بعمق بسيط. في حين ان المستويات الأركيولوجية الماقبل تاريخية توجد بأعماق جد مختلفة تفوق في بعض الحالات عشرات الأمتار (مثلا المقابر والمغارات التي لقيت في منطقة يفرن).

- تعرف المواقع الماقبل تاريخية في كثير من الحالات وخاصة المغارات، تعاقب عدة حضارات خلال فترات زمنية جد متباعدة. كالحضارة العطيرية وحضارة العصر الحجري الأعلى ثم حضارة العصر الحجري الحديث. وقد تكون هذه الحضارات متفرقة بطبقات جيولوجية عذراء.

قامت عمليات تنقيب مختلفة بجبل نفوسة وقامت مؤسسة تاوالت الثقافية بإحصاء تجميع وترجمة كل ما توصلت به وآخرها كتاب عن الأثار الزراعية الرومانية بالجبل، وتوجد عدة مقالات عن اللقى الأثرية بالجبل منها مقالات عن اللقى الماقبل التاريخية بمنطقة الشقارنة ولقد إطلعت شخصيا على صور لقبور مايقليثية وأطلعني أحد الأصدقاء على نقوش ما قبل تاريخية وكذا ترجمت مؤسسة تاوالت كتابات عن الأثار الإسلامية في الجبل وبحوث عن أصول مساجده.

وربما يمكننا إضافة أنه ثم العثور على مخلفات عظمية لديناصورات في جبل نفوسة في مناطق مختلفة من ككلة حتى لالوت. وهناك فترات شبه مهملة كالفترة السابقة للمنطقة أي في العهد البيزنطي فتوجد في الجبل كنائس وكتدرائيات ترجع تواريخها إلى أكثر من ألف وخمسمئة سنة وتوجد كذلك بعض المعابد سواء اليهودية أو غيرها، وتم الكشف مؤخرا عن تاريخ بناء قصر لالوت الذي يرجع بناءه لأكثر من ألف سنة.

منطقة الجبل منطقة شاسعة وتاريخها موغل بالقدم من الفترة القفصية حتى عصرنا هذا غير أنها لم تحظى بالتنقيب والبحث بتلك الأهمية. بل يجب التنبيه وللأسف على أعمل التنقيب من أجل الكسب المادي السريع والتخريب التي حلت ولازالت تحل بجبل نفوسة بل وفي أجزاء كثيرة من ليبيا بسبب الإهمال.

و مجمل القول فان عملية التنقيب تبقى دائما الوسيلة الوحيدة للوصول إلى اللقى الأثرية، وتبقى دون أي خطر إذا ما نحن أخذنا جميع الاحتياطات اللازمة، وخصصنا الوقت الكافي للتأمل والدراسة قبل الشروع في أي عمل ما. ولم نجعل من الوصول وجمع الأدوات الهدف الأسمى ولكن لنجعل من حصر جميع المعلومات الهدف الأول من علمنا، لان الباحث يشعر أثناء التنقيب، وحين ظهور أول مؤشرات عن وجود  الموقع الأثري، بفرحة لا يشاطره فيها غيره، ورغبته في العثور على المزيد والمهم ق يزيغه عن طريق الصواب، لذلك فالباحث المتزن هو الذي يعرف كيف يتغلب على إحساساته الداخلية ويعمل أولا وقبل كل شيء لصالح العلم وتاريخ الإنسانية جمعاء، ويفكر في كل لحظة وحين في كل خطوة يريد ان يخطوها. وما يجب التأكيد عليه ان أخطاء عالم الآثار أثناء التنقيب قد تشوه معالم تاريخية وحضارات بائدة تركت بصماتها في تاريخ الإنسانية.

أرسلت من قبل (مادغيس) موحمد ؤمادي في آثار,بنايات,تاريخ,عمارة,مدارس,مساجد,معابد وتحتوي على تعليقات(54)

54 تعليقات ل “تنقيب عن الآثار”

  1. غير معروف قال:

    مفهوم التنقيب الأثري

  2. غير معروف قال:

    موضوع جميل جدااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا أشكركم

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك