amazon mattress protector
header5.jpg

قرية طمزين

قرية طمژين

قرية طمژين

اختار سكان هذه المنطقة قديما شعبة فسيحة قريبة جدا من الجبل , و أسسوا فيها مساكنهم وأغلبها حفريات تحت الأرض شبيهة بقرية تمصمص سابقة الذكر وهذه القرية الآن خراب وإلي يوم الناس هذا تدعي بشعبية بوخروبة .
مساجدها :
بهذه القرية ثلاث مساجد أحدهما يدعي مسجد الحاجة مسعودة والثاني مسجد الشيخ سعد بن يونس والثالث مسجد صغير في مقدمة القصر :
مسجد الحاجة مسعودة
هذا المسجد معروف عند الكبير والصغير بهذا الاسم ولا ندري من هي المرأة الصالحة التي نسب إليها المسجد وبقي يحمل اسمها أجيال وأجيال ولعلها هي التي قامت ببناءه , ولا نعرف علي هذا المسجد شيئا وهو قائم إلي الآن , يتوسط المنازل الجديدة الزاحفة علي المنطقة ويظهر أنه كان أكبر مما هو عليه الآن .
مسجد سعد بن يونس
وهو مدرسة أبي عثمان أبي يونس الطمزيني وقد درس هذا العلامة الكبير علي الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم “بتهرت” وقد وقع عليه اختيار الإمام فأسند إليه ولاية قنطراره وما إليها “تيجي” فكان فيها مثل ما كان أولئك الولاة الذين سبقوه و لحقوه من استقامة ودين .
والمسجد أثري قديم يقع فوق ربوة عالية ويشرف علي القرية القديمة كأنه حارس أمين . وعندما انتقل سكان هذه القرية و التجئوا إلي الجبل كما يأتي قريبا بقي المسجد مزارا. والآن رجع العمران من جديد إلي المنطقة و أصبح المسجد تحيط به المنازل من كل الجهات , فعمد السكان إلي بناء مسجد آخر جديد في جنب المسجد الأثري القديم كما بنوا به دورة مياه جديدة وفسقية لحفظ مياه المطر . كما بنوا فيه منارة يشع منها النور , وتقام فيه الآن الصلوات الخمسة جماعة ككل المساجد .
مسجد تاحارْت
وهو مسجد صغير في مدخل القصر محفور تحت الأرض يوجد إلي الآن , واسم المسجد معروف إلي الآن عند الجميع ” تين تاحارت ” هكذا بالبربرية ولعل تعريفها “مسجد الحارة ” .
قصر تاحارت
يقع هذا القصر فوق ربوة ترابية عالية ولعل كما قلنا سابقا كلمة تاحارت أصلها الحارة حرفت إلي اللهجة البربرية فصارت ” تاحارت ” ، في وسط القصر ساحة بها ماجن يوجد إلي الآن غير صالح لحفظ الماء , ويوجد حول القصر مدور لعله كان خندق محفور لحفظ القصر بدلا من الصور. ومدخل القصر من الجهة الجنوبية , كعادة البدو في نصب خيامهم في الصحراء . “ واجعلوا بيوتكم قبلة ” .

تري من هم بناة القصر وأصحابه
قطع الأرض الموجودة حول القصر أو الربوة التي بني عليها القصر والخرائب المحيطة به من كل جهة هي الآن ملك لقبيلة العومريين ” أكبر قبائل طمزين الآن ” .هذا مما يدل دلالة واضحة أن بُناة القصر وأصحابه هم قبيلة العومريين , ولا يعقل أبدا أن يبنيه غيرهم في أرضهم ويسكن حوله العومريون .
لم توجد أكوام الحجارة علي الربوة العالية التي شيد عليها القصر لماذا ؟ وأين ذهبت هذه الحجارة؟ المظنون أن أحجار هذا القصر والمنازل حوله بعد خرابها نقلت إلي القصر الثاني قصر طمزين حيث كانت المسافة بينهما لا تزيد عن نصف كيلومتر علي أكبر تقدير .
لم نقف علي تاريخ بناء قصر تاحارت , ولعله كان عامرا في عهد الشيخ سعد بن يونس ووالده يونس ، وكانت حياتهما في القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري .

نقلة من شعبة بو خروبه والالتجاء إلي الجبل
لأسباب أمنية أو غيرها انتقل السكان من هذه القرية واستقروا علي حافة الجبل داخل شبه جزيرة جبلية والمسافة بين القريتين لا تزيد علي نصف كيلو متر .
تحصنوا بالجبل وبنوا قصرهم و مساكنهم علي حافة الجبل , كما بنوا مسجدهم في مدخل القرية ، وأطلقوا عليه اسم “مسجد غالد” وغالد كلمة بربرية معناها الشارع , والمسجد قائم إلي الآن في منطقة طمزين القديمة تصلي فيه الصلوات الخمسة .
وفي السنوات الماضية بني في جانبه مسجد جديد حديث , وترك المسجد القديم علي ما هو عليه للعبرة والتاريخ .
مسجد طمزين الجديد
في يوم عيد الفطر سنة 1392 هجري بعد أن صلينا صلاة العيد في ساحة قرب المقبرة توجهت بالحديث إلي الجماعة رغَّبتهم في بناء مسجد جديد , ومما قلته في آخر حديثي ” اليوم إن شاء الله بعد صلاة العصر سنعقد اجتماعا عاما ونعمل الخطة اللازمة لبناء المسجد ولو يتم علي مراحل أو في سنوات المهم الشروع في العمل ، وأصعب الأمور مبدؤها والتوكل علي الله ” ، هذا وما كاد يصل وقت صلات العصر من ذلك اليوم حتى اكتظ مكان الاجتماع بالمواطنين علي اختلاف أعمارهم ، شيوخا وكهولا وشبابا ، وكلهم في حماس شديد وغيرة دينية منقطعة النظير، ولا ننسي مواطنينا من سكان طرابلس حيث كانوا أشد حماسة وأعظم غيرة بارك الله فيهم .

جدول أعمال الاجتماع : وكان جدول الاجتماع كالآتي :
تكليف من يقوم باستخراج خريطة للمسجد علي الصورة التي تم الاتفاق عليها بالإجماع
طلب لهيئة الأوقاف وشئون المساجد في بناء مسجد .
تحرير طلب للبلدية لاستخراج رخصة للبناء .
طلب مساعدة من هيئة الأوقاف وشئون المساجد مبلغا يتناسب مع ضخامة المشروع .
طلب مساعدة من جمعية الدعوة الإسلامية .
طلب إلي جهات الاختصاص بطبع إيصالات لجمع التبرع من أهل الخير .
تشكيل لجنة من رئيس وأمين الصندوق وعدة أعضاء للإشراف علي تنفيذ المشروع .
وختم الاجتماع برفع أكف الضراعة إلي الله أن يكلل هذا المشروع بالنجاح وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم .
الشروع في العمل :
ومن هذا المنطلق بدأ العمل الجاد للبناء , ففريق يجمعون التبرعات من هنا وهناك , وفريق يقوم بمراجعة جهات الاختصاص ويطالبونها بيد المساعدة . وجماعة تجاهد بالكلمة الطيبة , فكان الخير وكانت البداية تبشر بالخير , ثم أنتكس المشروع وبدأ الخلاف يذب بين الصفوف , وكثر القليل والقال من بعض الشخصيات المعترضة سامحها الله , وهذا ليس بغريب تلك عادة الناس في كل زمان ومكان , وما هي إلا سحابة صيف ثم تنقشع . أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فمكث في الأرض , ولم تمضي إلا أشهر قلائل حتى حصلنا علي مبلغ نستطيع أن نبدأ به .
الشروع في البناء :
في يوم خميس من أوائل شهر مارس من سنة 1394 هجري كانت آلات العمل كلها في المكان المعد لبناء المسجد , وحضر المواطنون علي اختلاف أعمارهم ، وتلوا في المكان سورة يس وقصار السور، ثم توجهوا إلي الله رافعين أكف الضراعة راجين منه التوفيق والعون , وفي هذا الحشد الكبير والجم الغفير أرادوا تكريمي فأعطوني معولا “فأس” وطلبوا مني أن أبدأ باسم الله , أخذت المعول وقلت بصوت مرتفع : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إننا عبيدك وهذا بيتك , اللهم وفقنا وأعنا علي تمامه يا الله يا الله، فارتفعت الأصوات مدوية يا الله يا الله , ثم ضربت بالمعول علي الأرض ثلاث مرات وعلي إثر ذلك أخذ كل واحد معوله وبدأ العمل في حفر الأساس , هذا ولم تمضي إلا أيام معدودة حتى ارتفع البناء وارتفعت معه الأصوات بهذا النشيد : الله أكبر قد ……..المسجد كما يؤم رحابه المتعبد
قامت علي أيدينا صروحـه أنعم بطمزين القِرى والسؤدد
فتتجاوب الأصداء بهذا النشيد . فيجيب الفريق الثاني :
للباقيات الصالحات فعالنا في كل عصر لاح منا فرقد
هذا وما كاد يتم الفلك دورته السنوية حتى كان المسجد قد انتهي بجميع مرافقه الصحية , وصهريج لحفظ ماء المطر ومفروش ومهيأ لأداء شعائر الإسلام ، وارتفع النشيد الإلهي من منارته خمس مرات في اليوم : الله أكبر الله أكبر ….حي علي الصلاة ….حي علي الفلاح .
افتتاح المسجد :
وفي يوم الجمعة بتاريخ 28 من ربيع الأول سنة 1395 للهجرة الموافق 15 مارس من سنة 1975 من ميلاد المسيح عليه السلام افتتح المسجد في حفل كبير حضره المواطنون من طمزين وطرابلس , وضيوف مدعوون للحضور والمسؤولون عن الأوقاف وشئون المساجد لمنطقة غريان , والوعاظ والمرشدون بالمنطقة من ليبيين ومصريين وألقيت عدة كلمات بالمناسبة . اللهم اجعل هذا العمل المتواضع خالصا لوجهك الكريم , آمين آمين يا رب العالمين .
إضافة جديدة للمسجد :
ولما مضي علي المسجد حوالي عشر سنوات ضاق بالمصلين فزيد فيه من الناحية الشرقية وكانت به حجرة أضيفت إلي المسجد ومن الناحية الغربية كان به مطلع “درج” أضيف إلي المسجد أيضا .وما هي إلا ست سنوات أخري حتى ضاقت دورة المياه الأولي بالمتطهرين فألغيت دورة المياه الأولي وأنشئت دورة مياه جديدة , هذا كما أحيط الجانب الشرقي بصور وحفر بداخله صهريج ” فسقية ” لحفظ مياه الأمطار .
إضافة بعد إضافة :
وفي سنة 1993 وفق الله أصحاب الخير فتبرعوا بمبلغ من المال , فأضيف الجنان ورفع فوق الحجرات دور ثاني لصلاة النساء في الجمعة والأعياد . وفُرش المسجد بفراش جديد , وغُيِّر المنبر بعد ما كان بناء صار منبر من الخشب الجيد . أثاب الله كل من سعي ودعي وشيد وبني ومن تصدق وأعطي وكل من إلي هذا البيت سعي صباحا ومساء وصدق الله العظيم حث يقول : ” إنما يَعمُر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ” .
قصة التسمية
كان من بين سكان هذه القرية رجل من الأغنياء ومع ذلك فهو لا يخلو من حكمة , كما كان هذا الرجل ممن يستشار ويؤخذ برأيه غالبا لرجاحة عقله لمدة طويلة ، ثم تدهورت حالته الاقتصادية وأصبح من الطبقة الفقيرة , إذا حضر لا يُستشار وإذا غاب لا يُنتظر , وبعد سنوات انقلب عسره إلي يسر , وضيقه إلي سعة وفرج ” إن مع العسر يسرا ” وتحصل في سنة زراعية خصبة ، تحصل فيها علي كمية هائلة من الشعير , ومرت بالقرية ظروف استدعت أهل القرية إلي الاجتماع , ولما اجتمعوا افتقدوه , وقال بعضهم أين فلان ؟ وقال الثاني ادعوه , وقال الثالث لابد من حضوره ، فاستدعوه إلي الاجتماع وقبل أن يتجه إلي الاجتماع عمد إلي منديل صغير ” محرمة ” وجعل فيه حفنة من الشعير أخفاها تحت ثيابه وعند حضوره جلس في مؤخرة المجلس , وفي أثناء النقاش قال له المجتمعون ما رأيك يا عم , وقال الثاني نحن في حاجة إلي رأيك السديد , وقال الثالث : تكلم , عندها أخرج المنديل الذي به الشعير وطرحه أمامه علي الأرض وقال : ” اتْلَيُومَت يا طمزين ” . ومعني الجملة بالعربة تكلم يا شعير .
هذه قصة التسمية كما ينقلها الأبناء عن الآباء والآباء عن الأجداد و هلم جر .
ولعل القصة لا تبعد عن الحقيقة لأن الناس في كل عصر وفي كل مكان وخاصة في عصرنا هذا لا قيمة للرجل عندهم إلا بقدر ما يملكه من الدراهم والدنانير لا ما عنده من العلم والحكمة :
رأيت الناس قد ذهبوا لمن له ذهب ** ومن لم يكن له ذهب فالناس عنه قد ذهبوا .

غاسرو نـ طمژين

غاسرو نـ طمژين

قصر طمزين
بني هذا القصر علي شبه جزيرة جبلية حيث يحيط به الجبل من الغرب والشرق والجنوب يفتح باب هذا القصر قبلة كعادة البدو في نصب خيامهم ” واجعلوا بيوتكم قبلة ” بني هذا القصر بتاريخ 777 للهجرة النبوية علي صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام .
وُجد هذا التاريخ منحوتا علي صخرة صماء في مدخل القصر , وقد شاهدت هذا التاريخ بنفسي كما شاهده الكثير من كبار السن في هذه القرية ، وقد لعبت بهذا التاريخ الأيدي الأثيمة الجاهلة التي لا تقدر للتاريخ قيمة ولا تعرف للآثار معني .

ترى من بنى هذا القصر
قام ببناء هذا القصر قبيلة العومريين أيضا وسكنوا حوله حيث أن المنازل المحيطة به إحاطة السوار بالمعصم كلها لقبيلة العومريون ، فهذا منزل لأسرة الجالي وهذا منزل لأسرة احشيش وهذا منزل لأسرة الشيباني وهذا منزل لأسرة أبو قطف وهذا منزل لأسرة محمد ساسي الشايع وهذا منزل لأسرة عمارة وهذا منزل لأسرة عدس وهذا منزل لأسرة سكور وهذا منزل لأسرة الشتيوي وهذا منزل لأسرة سالم بن علي وصالح بن علي . وكلها عائلات وأسر كبيرة ترجع إلي أصل واحد وهو قبيلة العومريين .
اللهم إلا منزلا واحدا يتصل بالقصر من جهة الشمال ، هذا المنزل وهبه وتصدق به العومريون أصحاب القصر علي رجل غريب لاجئ يقال أنه من الزنتان ” ترديه ” وعندما جاء أول الأمر نزل بأسرته في حقفه تحت القصر وإلي الآن تعرف هذه الحقفة بهذا الاسم ” تِيرِيت نِدُمُومَنْ ” ، وبعدها اتصل هذا الرجل بجماعة القرية وطلب مسكنا يأوي إليه هو وأسرته وماجن يشرب منه فتبرعوا بمنزل شمال القصر مباشرة وهو يعرف إلي الآن بحوش ” اعطيط الله ” ولعله كان اسمه اعطيت لله ثم حرِّفت بعض الشيء ، ومن أسرة هذا الرجل تكونت قبيلة الدموميين التي تفرّع عنها عدة أسر كبيرة منها أسرة أبو عزقة وأسرة الوحال أو الخلاص وأسرة العواشير وأسرة مرجان وأسرة الغرسليين وغيرها وغيرها .

تخريب هذا القصر وهدمه
يقال أن تخريب القصر وهدمه كان في العهد التركي وفي حكم عثمان باشا التركي وذلك بسبب حادث وقع في قصر جادوا بين الحامية التركية الموجودة هناك والجادويون .
وعلي إثر هذا الحادث جاء الأمر إلي الوالي التركي بطرابلس بهدم وتخريب جميع القصور بالجبل الغربي أو جبل نفوسة كما عُرف قبل .
وفعلا شرع في التخريب ابتداء من قصر جادو واستمر التخريب إلي أن وصل إلي قصر طمزين , وخرِّب بالفعل لسوء الحظ , وعلي إثر ذلك جاء الأمر بإيقاف التخريب , لذلك نجد القصور غربي طمزين كلها باقية كقصور فرسطاء وكاباو والحوامد وأولاد محمود ونالوت ووزان .
وبقي قصر طمزين هذا خربة , ولجهل السكان للقيمة الأثرية , اتخذ الجيران هذه الخربة حظيرة للبقر والحمير والغنم وبقية الحيوانات , ووضع القمامة ” الكناسة ” وهدم الجدران القائمة وأخذ الحجارة واستعمالها . ( يخربون بيوتهم بأيديهم ).
وفي الوقت الذي أقوم فيه بتحرير هذه المذكرة وكلى أسف وحسرة علي ضياع هذا الأثر التاريخي الغالي , تعمدت السلطات المحلية بطمزين إلي كسر أو مسح البقية الباقية من صور القصر وآثاره كما تطرق المسح حتى إلي ما جاوره من المنازل الأثرية مسحا شاملا كاملا بالآلة الثقيلة ” كاتربيل ” وبقي مكان القصر الآن قاعا صفصفا لا تري فيه عوجا ولا أمتا , وصار القصر وما حوله من المنازل كأن لم يكن , والأمر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
فتركية قد قامت في تلك الفترة بتخريب عدة قصور أعظم وأضخم من قصر طمزين بكثير . ذكر الشيخ سليمان الباروني رحمه الله في رسالة سلم العامة صفحة 39 ” وهذا الاسم يفرن يطلق علي قري متعددة منها دسير ويقال لها اشقارنه كان بها قصر فيه ألف وثمانمائة بيت طبقات بعضها فوق بعض خربته عن آخره الدولة العثمانية وكان من أعظم حصون الجبل ” . والأمر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله

جدي موسى

يوجد بهذا القصر بالركن الجنوبي منه كوة أي فتحة صغيرة تنار من قديم الزمان وإلي الآن بمصابيح الزيت في أغلب الليالي وفي ليلة الجمعة وفي ليالي الأعياد والمواسم الإسلامية وشهرت عندهم بغرفة جدي موسى , تري من هذا الرجل الحاصل للقب الجد عند الجميع ؟ وبماذا نال هذا الشرف , واشتهر اسمه ولقبه , وامتدت حياته المعنوية أجيال وأجيال .
نسمع عنه ممن قبلنا , أن الرجل كان بالطبع من سكان هذه المحلة , ويقال أنه كان له أسرة صغيرة , تتكون من ثلاثة أشخاص هم : الرجل القنوع الشاكر الزاهد وزوجته الطيبة وابنته الجميلة البارة .
وفي تاريخ البلد طمزين طرأ على المنطقة جفاف لعدة سنوات , أمسكت السماء فجفت الأرض وانقطع الزرع ويبست الأشجار وعجفت الحيوانات ونفذ ما عند الأهالي من مدخرات من حبوب وتمر وتين وغيرها وغيرها .
عندها تدارس أهل القرية الحالة التي هم فيها من الحاجة والعسر والضيق , وقرروا بالإجماع الرحيل إلي بلد ما لطلب المعيشة وعينوا يوما للرحيل , وموسى هذا قبل أن يلقب بالجد لا يدري ما يجري في البلد, حيث كان قليل الاختلاط بالمجتمع , قليل الخروج من بيته عاملا بقول الحكيم “القراءة عبادة”
هذا وفي صبيحة يوم الرحيل كان جالسا يذكر الله يحمده ويسبحه ويستغفره لذنوبه , وإذا به يسمع رغاء الإبل وبكاء الأطفال وصراخ النساء والشيوخ والعجزة . عندها دعي زوجته الحبيبة وسألها بلهفة وهلع ماذا حدث ؟ فأجابته أما سمعت ؟ أما عرفت ؟ أن القوم عزموا علي الرحيل قالت هذا والعبرات تخنقها وتَحُول بينها وبين الكلام : الجوع , الجوع يا زوجي العزيز .
وكانت غرفته مملوءة بالشعير , عند ذلك دعي ابنته يا بنتي ناولني العكازة , فناولته إياه ,فأخذه وخرج مسرعا يتوكأ عليها ويشير بيده يرفعها مرة ويخفضها مرة أخري وهو يقول : البقاء …البقاء ولما اجتمع عليه الناس قال لهم : لي غرفة مملوءة بالشعير تعالوا نقسمها بيننا بالسويِّة على الأفراد وسآخذ مناب أسرتي معكم وبعد ذلك لعل الله يأتي بالفرج . عندها هدأت الأصوات وانقطع الصراخ و أمسكت العيون عن البكاء وجفت الدموع .
وموسى يرفع كلتا يديه إلي السماء وقد حبس لسانه ولا يفهم من كلامه شيئا إلا : يا رب.. يا رب … يا رب ، اقتسم القوم ما في الغرفة من الشعير بالسوية وضربوا له بسهم مثلهم , واستقر القوم وسادهم الهدوء , وبات الجميع في ليلة هنيئة , وفي الصباح دعي موسى ابنته وأمرها بكنس الغرفة , فأخذت البنت المكنسة ورجعت وهي تقول : يا أبي إن الغرفة أبت أن تنفتح وهي ليست كعادتها .
ذهب الرجل إلي الغرفة وأدار المفتاح وانفتح القفل أو البوجلة كما يسمونها في ذلك العصر ودفع الباب بقوة فانهار عليه الشعير وإذا بالغرفة مملوءة بالشعير إلي السقف ورفع يديه إلي السماء وهو يكرر الآية الكريمة : ” وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين ” صدق الله العظيم .
ولا غرابة فيما حدث فللأولياء الكرمات كما للرسل والأنبياء المعجزات .
هذا وفي نفس الأسبوع فتح الله أبواب السماء بماء منهمر ” ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ” ، وزرع الناس وانقلب العسر يسرا والضيق سعة وفرج وصار الأحداث من البنين والبنات يدعون الرجل جدي موسى واشتهر عند الأوائل و الأواخر بهذا اللقب .
القبائل التي تسكن طمزين حاليا

يسكن طمزين حاليا ثلاثة قبائل كبيرة وهي :
أولا : العومريون : وهذه من أكبر القبائل وهم السكان الأصليين لهذه المنطقة وبناة القصور والمساجد الأثرية فيها وقد سبق الحديث عنهم وعن أسرهم .
ثانيا : الدموميون : وقد سبق الحديث عنهم وعن أصلهم والحديث علي فروعهم وأسرهم .
ثالثا : الكواشليون : وأصل هذه القبيلة أسرة واحدة يقال أن أصلها جاء من مدينة قنطرارة ( تيجي الآن ) . جاءت هذه الأسرة وسكنت محلة طمزين وبنت منزلها الأول قرب منزل الدموميون ولا يفصل بين المنزلين إلا شارع ضيق ، وإلي الآن وإلي ما شاء الله يعرف هذا المنزل بحوش الكوشليين ، ومن هذا المنزل تفرعت أسر الكوشليين : فهذه أسرة ابريبش وهذه أسرة أولاد عيسى وهذه أسرة قنه وهذه أسرة الهوفاري الخ …. .
امتزاج هذه القبائل وصهرها في بوتقة واحدة
لعلك أخي القارئ والمطلع علي هذه المذكرة لعلك تظن أو يخطر ببالك أن بين هذه القبائل تفرقة أو تباغض أو تحاسد أو خلاف أو تفرقة أيا كان نوعها , ذلك لا يوجد منه شئ بين هذه القبائل , بل لا يوجد بينهما إلا الحب الخالص والود الكامل , فهم يعيشون كأسرة واحدة أو كجسم واحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي .
وقد انصهرت هذه القبائل في بوثقة واحدة واختلطت وتداخلت في بعضها بالمجاورة والمصاهرة لا شرف لأحدهم علي الآخر إلا بالتقوى . ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” . ولولا أمانة التاريخ أجبرتني علي هذا التقسيم ما قدمت عليه ” والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوي ” .

الاحتياط خوفا من الغزو الخارجي

وبعد أن بنوا القصر والمسجد في حصن منيع والمساكن حولهما , بعد هذا كله تخوفوا من الغزو الخارجي فعمدوا إلي كل فتحة أو منفذ في الجبل وبنوا علي بيتا صغيرا للعسة والحراسة كبرج مراقبة وهم كالآتي :
أولا : في المنفذ الكبير ” التنية ” بنوا بيتا علي رأس الدرب قائم إلي الآن يسمي عندهم بالبربرية ( تين توجان ) والآن كثير من البسطاء والنساء تحوَّل في نظرهم أنه مسجد واتخذوه مزارا و جعلوا له قناديل الزيت وأناروه ليلا , وغاب علي هؤلاء أن هيكل المبني مخالف لما عليه بناء المساجد حيث كان فمه إلي القبلة , وليس به محراب ويمتد المبني من الشمال إلي الجنوب تتعذر فيه الصفوف ثم موقعه في مضيق يصعب الوصول إليه خصوصا عند العشاء والفجر عند اشتداد الظلمة .
ثانيا : منفذ تُمَدْرار : برأس الدرب مبني صغير جدا انقلب في نظر النساء والبسطاء إلي مزار جعلوا له مصابيح وينيرونه ليلا .
ثالثا : فتحة مُونَرْ: برأس الدرب مبني صغير جدا يشبه بوابة المعسكر يسمي عندهم أبو جبارة انقلب عند النساء والبسطاء إلي مزار جعلوا له مصابيح وينار ليلا أحيانا .
رابعا : فتحة المشَهَّد : بنوا عليه مسجد صغير سموه مسجد المشَهَّد , وبقربه بنوا بيت صغير للعسة والمراقبة .
خامسا : فتحة اتْقُوتاس : أيضا مبني صغير علي رأس الدرب , فتحة في الجبل انقلب أيضا كسابقه إلي مزار وينار ليلا بمصابيح الزيت .
يا إخوتي : إنها مباني للعسة وأبراج مراقبة وليست مساجد ولا مزارات . فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا .

علاقة هذه القرى بعاصمة المنطقة مدينة شروس

هذه المنطقة بما فيها من قرى كانت تابعة لمدينة شروس تلك المدينة التاريخية التي تقع بوادي شروس الذي يقع بين بلدة تندميرة غربا وقري الحرابة شرقا .
وعندما جاء الفتح الإسلامي إلي طرابلس وسمع أهلها بذلك أسلموا طواعية بدون حرب ولعلهم لذلك سموا ” نفوسه ” وبعثوا وفدا إلي الفاتح العربي عمرو بن العاص يقدمون الطاعة والولاة في حديث طويل ليس هذا محله .
ومما يدل دلالة واضحة أن كلا من قرية تمصمص و طمزين كانتا تابعتين لمدينة شروس ما يأتي :
شعبة المسَّوْقين هذه شعبة طويلة تبدأ من الجبل قرب تمصمص وتتجه شرقا إلي أن تشرف علي وادي شروس الذي به المدينة عاصمة القرى التي يقال : إنه تتبعها ثلاثمائة قرية .
ومن عدالة السلطة في الإسلام في هذه المدينة ما يأتي :
لا زال شائعا بين سكان هذه المنطقة أن القرى التي تقع غربي مدينة شروس معفين من المكوس وبقية الآتاوات , أما الشرقيون التي تقع قراهم شرقي المدينة يؤخذ منهم المكس وبقية الإتاوات .
والسبب في ذلك قالوا : أن الغربيين عندما يتجهون إلي السوق صباحا تواجههم الشمس وعند رجوعهم تواجههم الشمس أيضا , بينما الشرقيون لا تواجههم الشمس ولا يستقبلونها ذهابا ولا إيابا .
3 – المسجد الأثري الكبير القائم بمدينة شروس جدرانه وأركانه مقسمة علي القرى المجاورة كل قرية مسؤولة عن إصلاح وترميم وصيانة نصيبها من جدران هذا المسجد وهذا معمول به إلي يوم الناس هذا . ولعل هذا هو السبب الذي منع الخراب أن يتطرق إليه , و لطمزين ككل القرى ركن خاص بها في هذا المسجد .

ملاحظات

توجد بعض الأسر في طمزين لا تنتمي إلي أي قبيلة من القبائل الثلاثة التي سبق ذكرها وهي :

أسرة زمة : هذه الأسرة التي يقال أنها وفدت من تدغت , و تدغت هذه تقع في رأس وادي شروس , بها آثار وغيران وحفريات تحت الأرض توجد إلي الآن وهي من ضواحي مدينة شروس , لا تبعد عنها كثيرا , ومما يؤكد أن الأسرة أصلها من هناك ما يوجد عندهم من الوثائق القديمة في بعض قطع الأرض هناك . واتخذت هذه الأسرة منزلها في طمزين وراء منزل الكوشليين ولا يفصل بين المنزلين إلا زقاقا ضيقا , وهذا مما يدل علي أن قدوم هذه الأسرة كان بعد قدوم الكوشليون من قنطرارة ” تيجى ” كما سبق .

إشاعة مكذوبة :
يشاع أن أول من سكن طمزين الأزمام , وهذه الإشاعة يكذبها الواقع حيث أنه في تلك العصور المظلمة عصور السلب والنهب والسرقة والتعدي علي الأموال والأرواح , لا يمكن أن تعيش أسرة واحدة مفردة في هذه القفار الموحشة .

أسرة اجميلة وأسرة الجريبي
هاتان الأسرتان لا تنتميان إلي أي قبيلة من القبائل الثلاثة السابقة الذكر , هاتان الأسرتان لم نسمع عنهما شيئا , ولا ندري من أي مكان جاءتا . ولعلهم يعرفون ذلك وقديما قالوا ” أهل مكة أدري بشعابها ” والعلم لله .
أسرة علي بن صالح شهر الطمزيني
هذه الأسرة هاجرت من طمزين إلي جزيرة جربة واستوطنت حومة ” أَجِّيم ” واتخذت منازلها قرب ميناء أجيم وهي معروفة إلي الآن , ولها أملاك في هذا البلد , أراضي وزيتون وتين ونخيل وغيرها باقية إلي الآن , يستغلونها عن طريق الوكالة وكان وكيلهم الأول يحي بن علي الخلاص , ثم ابنه أبو سعيد بن يحي ثم انتقلت الوكالة من هذه الأسرة إلي أسرة أخري تولاها الحاج سعيد اجميلة ثم ابنه صالح ولما توفي تولاها علي بن سالم اجميلة . وتدعي هذه الأسرة أن بين الأسرتين قرابة . والعلم لله .

أسرة الطمزيني في حومة ” قشعيين ”
توجد أسرة أخري بجزيرة جربة في حومة ” قشعيين ” اشتهرت باسم الطمزيني , ولا ندري إلي أي القبائل تنتمي هذه الأسرة , وليس لهذه الأسرة أملاك ولا عقارات في بلدة طمزين , حيث يقال أنه بعد هجرة الأسرة بمدة تطول أو تقصر جاء رجل من هذه الأسرة إلي طمزين اسم هذا الرجل صالح وهو كريم العين , وباع جميع ما تملك هذه الأسرة , والذي اشتري منه عمنا مسعود بن سليمان الأرض في فم وادي طمزين والتي اقتسمها أبناء أبنائه .
كما اشتري منه الحاج سليمان الكوشلي ماجن بقرب منزل علي بن سعيد بن سليمان وإلي الآن يعرف عندهم بماجن الطمزيني .

أسرة الطمزيني في حومة ” الماي ”
توجد هذه الأسرة بجزيرة جربة , هاجرت من طمزين واتخذت منزلها بحومة ” الماي ” اشتهرت بهذا الاسم ” الطمزيني ” ولازالت تعرف به , ولا ندري إلي أي القبائل تنتمي ، ولا نعرف تاريخ هجرتها من هذا البلد ، وليس لها في طمزين عقارات ولا أملاك فقد باعها رب الأسرة قبل الهجرة وسنذكر سبب الهجرة علي ما نسمع ممن قبلنا .
سبب هجرة هذه الأسرة :
نسمع ممن قبلنا أن إحدى الأسر التي استوطنت جزيرة جربة السبب في هجرتها ما يأتي :
يقال : بينما كان رب الأسرة بأولاده وجميع أسرته في حقل لهم في الغابة يحصدون زرعا لهم , وعندما اشتد الحر وجاء وقت الغذاء التجئوا إلي زيتونه هناك وتناولوا غذائهم , وبعد ذلك رجعوا إلي الخرجة للحصاد وعلي إثر ذلك جاء فارس إلي مكان الغذاء فقال رب الأسرة لأحد أولاده : اذهب وقدم لهذا الضيف الغذاء فذهب الابن المطيع وسلم علي الرجل ورحب به وصب عليه فغسل يديه ثم قدم له القصعة مغطاة بطبق كالعادة وقال له : تفضل , ولما رفع الضيف اللئيم الغطاء علي القصعة وجد به من الطعام ما يكفي لأكثر من واحد ولكنه فضلة – أي بقية – تكبرا منه وغطرسة وكفرا بنعمة الله اعتبر ذلك إهانة , فما كان منه إلا أن صوب بندقيته إلي صدر الشاب المضياف فأرداه قتيلا وركب جواده واتجه إلي جهنم .
أما رب الأسرة وزوجته وأبناؤه وبناته رجعوا إلي ابنهم الشهيد فأخذوه إلي البلدة فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه وفوضوا أمرهم إلي الله وكأن لم يكن شئ يذكر , ولكن في نفس الرجل الحر رب الأسرة أشياء … وأشياء . وقرر بينه وبين نفسه أن هذا البلد الذي طعامه يكون سبب في قتل ابنه لا يسكنه أبدا ، وقديما قالوا :
إذا أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمرد .
ولكنه لم يصرح بقراره لا لقريب ولا لبعيد ولا لبغيض ولا لحبيب , وبعد ما جمع محصوله من زراعته تلك السنة , أخذ يدلل علي ما يملك من الأشجار والعقارات قطعة قطعة حتى باع كل شئ له ثمن وخرج من البلد بأهله واستوطن الجزيرة ولم يعد إلي البلد أحد من نسله إلي يوم الناس هذا . فما أعظمها من غيرة , وما أجلّها من رجولة وشهامة وما أكرمها من حرية .

الظلم ظلمات يوم القيامة
وهكذا كان الناس في تلك العصور يعيشون علي أعصابهم لا يستقر لهم قرار ولا يهدأ لهم بال إذ لا قانون يحمي الناس الطيبين من المتسلطين الخبثاء الأشرار ، ولا شريعة يتبعونها فيقفون عند حدودها يخافون الله ويتّقونه . بل كانت شريعتهم علي هذا المثل ” عد ارجالك وورد الماء ” والمثل عندهم ساري المفعول معمول به . كذلك قول القائل منهم ” السرج واللجام والمعيشة في رأس الإسلام ” يجوزون لأنفسهم بهذا المثال السلب والنهب وقطع الطرق والتسلط علي الناس الطيبين المؤمنين الأتقياء ورحم الله من قال :
واستفحل الجهَّال واشتد البلاء وتعاظم الأندال ضد المصلحين .
فكان هؤلاء ينهبون الأموال ويزهقون النفوس ويدوسون الحرمات ويقطعون الطرق ويعتون في الأرض فسادا . وعندما وصلت إلي هذه الجمل استعصي القلم أن يكتب إلا بعد أن أترحم علي جدي الذي استشهد في هذا العصر , رحمك الله يا جدي لقد مت شهيدا ، شهد لك بذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وقصة استشهاد جدي كما رواها أبي شاهد عيان ربما أعوذ إليها فأسجلها في غير هذا المكان .

الويل للإنسان من أخيه الإنسان
كان البعض من هؤلاء الأشرار يتسلطون عل أسرة أو أسر من الناس الطيبين المغلوبين علي أمرهم, ويفرضون عليهم ما يسمونه ” جدادة ” ولعلها سميت بهذا الاسم لأنها تتجدد كل سنة فيعطيه القربة والحولي والتمر والتين والشعير … الخ . مقدار عندهم معروف هكذا باستمرار كل سنة .

من أغرب ما قرأت ومن أعجب ما رأيت
بينما كنت جالسا يوما في المسجد وحيدا جاءني رجل من القرية وطلب مني أن أذهب معه إلي بيته لأقرأ له وثائق قديمة , لنزاع وقع بينه وبين جاره لقطعة أرض لهم , فذهبت معه وجاءني بأكثر من مائة وخمسون وثيقة وبينما كنت أطالع هذه الوثائق عثرت علي وثيقة مظلوم يشتري الظلم من ظالمه ولمدة سنتين فقط .
أخي القارئ سوف أنقل لك هذه الوثيقة حرفيا بعدولها وكاتبها وشهودها وتاريخها لنري العجيب وتسمعه كما سمعته .

نص الوثيقة :
الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم وباع وسلم للمكرم الشيخ عمر بن علي الطالبي بأنه باع وسلم للمشتري منه أحمد بن سالم وشقيقه جمعة بن الأب المذكور الطمزيني البركاوي جميع ما يأخذ عليهما من الظلم والمظلمة وعوائد العرب الفاسدة وذلك مثل الحولي والشعير والتمر والتين والعصيدة والتساسية وحتى الوقوف علي باب الدار وجميع ما عليهما ويأخذ عليهما إلا وباعه للمشتريان المذكوران بيعا صحيحا تاما شرعيا علي وجه بيع الاقالة قدر ذلك ومبلغ عدده مئة واحدة واثنان ريالات سكة تونس , اعترف البائع المذكور بقبض الثمن المذكور بالوفاء والتمام ويتصرفان المشتريان المذكوران في أنفسهما سنتين آتيتين بعد هذه السنة وذلك بحضور : أحمد بن منصور الطالبي . ومحمد…… الكوشلي الطمزيني . وسليمان بن صالح البركاوي . ومسعود بن سليمان . والمبروك بن علي الطالبي , ولا يزيد ولا ينقص . وشهد عليهم بذلك من سمع منهم وعرفهم وهم بالكمال وذلك بتاريخ أول جماد سنة 1227 هـ .

أسرة الطمزيني في الإسكندرية
بلغني في الفترة الأخيرة ما يأتي : بينما كان أحد الشباب يتجول في شوارع الإسكندرية وإذا به يجد لا فتة علي زقاق أو شارع مكتوب علها بخط عرض ” محلات الطمزيني ” .
هكذا بهذا اللفظ وبهذه العبارة فاستغرب الشاب وسأل بعض من صادفه هناك في الطريق عن هذه اللافتة فقيل له , أنه من ليبيا أصلا ومن الجبل الغربي . هذا ما عرفنا عن هذه الأسرة أو الأسر . وأتمني أن تتاح الفرصة لأحد شبابنا فيقصدون الإسكندرية ويتصلون ببعض أفراد هذه الأسرة ويزودوننا بمعلومات أكثر فأكثر . وما ذلك علي الله بعزيز .

أسرة بركة أبو عزقة
قبل أكثر من خمسين سنة وأنا طالب بالزيتونة اطلعت في مكتبة الخلدونية علي كتاب في القرصنة البرية ولم أتذكر اسم الكتاب ولا مؤلفه ولكن بقي عالق بذهني منه ما معناه كان قراصنة البيض في البر يدخلون حدود السودان أو مالي أو تشاد ليسرقوا الأطفال الصغار وهم يرعون أبقارهم وحيواناتهم ، والأطفال عندما يرون الرجل الأبيض يفرون منه ويختبئون تحت الأشجار المتشابكة والأغصان الملتفة كأفراخ الحجل , فيعمد الرجل الأبيض إلي حيلة يستطيع بها معرفة مكان المختبئين فيقول : ماني ريتك ، ماني ريتك ، يكرر هذه الجملة عدة مرات فيجيب الطفل المغرور , والله ماريتني , فيتتبع الرجل الأبيض مصدر الصوت ويمسك بالولد ويطير به كأنه صقر ظفر بفريسته سمينة فيتاجر به ويبيعه عل أنه عبد مملوك له وهو في الأمر الواقع ليس به شائبة للعبودية , فيكون بذلك قد ارتكب عدة جرائم وهو لا يدري , جريمة السرقة وجريمة بيع الحر وثكلي أمه وأبوه وحزنهما علي ابنهما وفلذة كبدهما ولعله الابن الوحيد .
ومن يدري لعل (بركة ) كان فريسة لتلك القراصنة البيض ولم نعرف أسوداني هو أو مالي أو تشادي , المهم من أمره أنه جاء به رجل إلي ظاهر طمزين والفصل كان ربيعا وقصد به نزلة أبو عزقة ومن معه , ولما وصل النزلة وجد رجال الدوار جلوسا وراء الخيام وبعد لحظات اشتري الشيخ رمضان أبو عزقة الغلام , وتمت الصفقة بحضور مجموعة من الرجال كشهود وما دروا أن الحديث الشريف يقول ” من اشتري سرقة فقد اشترك في إثمها و عارها ” وعند تمام الصفقة كبر الرجال وهللوا وطربوا وصفقوا للحدث السار في نظرهم وارتفعت الزغاريد من النساء في الخيام .
بركة في خيمة أبو عزقة : أما بركة فقد ذهبوا به إلي خيمة أبو عزقة واجتمعت النساء عليه وكذلك الأطفال بنين وبنات. زوجة أبو عزقة تسأل بركة ما اسمك .اسمي ب ب بركة . ما اسم أبيك ؟ اسمه بابا بابا ، ما اسم أمك ؟ اسم أمي ماما ماما . أحد الأطفال يسأل بركة : ( أّتّتْشَدْ تِينِي ) يا بركة ؟ يهز بركة رأسه ولم يفهم , ولد آخر يسأل : تأكل التمر يا بركة ؟ فيجب بركة : إيه .إيه .إيه ، ولد آخر يسأل بركة : أّتّسْوَد أَغِي يا بركة ؟ يهز بركة رأسه لأنه لم يفهم . ولد آخر يسأل بركة : تشرب اللبن يا بركة ؟ فيجيب بركة : إيه . إيه . إيه .
وبعد سنوات كبر بركة وتبربر وصار ذي قوة , وفتوة وشباب وفروسية وشجاعة كأنه عنتر بن شداد وصار يبحث عن ” عبلة ” وعبلة لا وجود لها فيظفر بغريبة التارقية فيتزوج بها ولم تطل عشرتهما فافترقا وتزوج بتركية فأنجب امحمد وأحمد , وعتقه سيده سالم أبو عزقة بعد أن كتب له داموس في جانب منزله ثم كبرت الأسرة وصارت أسرة طيبة تطمزنت في دينها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها فهي من طمزين في الصميم .

العلم والعلماء في القرية

كانت العلوم الدينية في القرون الأولي من دخول الإسلام إلي هذه المنطقة متوفرة , وذلك بفضل معهد أبي عثمان بن يونس وقد ذكر في التاريخ أنه تخرج منه الكثير والكثير من العلماء وبفضل فرع هذا المعهد بقنطرارة ” تيجي ” الذي تخرج منه الكثير ومنهم ابنه سعيد الوافي الذي لا يزال مشهورا عند سكان المنطقة يزار ويتبرك به ، وكذلك بفضل العالم الكبير والولي الصالح الشيخ محمد خصيب التمصمصي ومعهده العامر الذي شاركت بالتعليم فيه حتى النساء وكانت بعضهن يحضرن الدروس الليلية ويأتين من المناطق البعيدة منهن أم ماطوس الجاريزرية ثم جاءت فترة خمول قل فيه العلم والعلماء في هذه القرية وخيَّم الجهل والأمية علي الجميع حتى عاش أهل هذه القرية عالة علي غيرهم حتى في أبسط الأشياء مثل كتابة الوثائق ، قليل ما نجد وثيقة كتبها طمزيني بل كل الوثائق كانت باسم اليسجيني أو العزابي أو الفرسطاني .
ومن ذلك تولي مشيخة القبيلة في هذا العصر ثلاثة رجال وهم لا يعرفون القراءة ، أمِّيون لا يضعون سوادا في بياض ، رغم أنهم مسئولون عن أحوال هذا المجتمع وهم الواسطة الوحيدة بين الدول والرعية ، وهؤلاء هم الشيخ سليمان بن سالم العومري والشيخ خليفة شويه العومري أيضا والشيخ صالح عبد الكريم الغرسلاني الدمومي .
وأغرب من هذا لا يوجد بينهم من يحسن صلاة الجنازة وإذا مات أحد من طمزين أسرع أحد المواطنين إلي الجبل المقابل لقرية فرسطاء ونادي : يا مادي , ومادي هذا اسم عبد عندهم , وأي شخص من هذه القرية يسمع النداء , يسرع إلي العزابي المشهور عندهم فيأخذ عكازه ويسير متجها إلي طمزين والمسافة بين القريتين لا بأس بها .
وأنا اعلق علي هذا الخبر أنه احتقار للعلم , فصلاة الجنازة أمرها بسيط جدا جدا , كما هو معلوم عند الجميع ، فلماذا لا يُعلِّم هذا الرجل مجموعة من الناس كيفية صلاة الجنازة , ولو حتى رجل واحد فقط , وبعدها يقول للجميع هذا الرجل يحسن صلاة الجنازة فلا داعي لدعوتي بعد اليوم , فيحصل الراحة للجميع , لكنه احتفظ بهذا الكنز الثمين واحتكره لنفسه , كأنه طلسم مغلق معقد لا يستطيع حله إلا هو . سامحه الله .

الشيء بالشيء يذكر
عندما كنت طالبا في تونس كان يزورني في البيت رجل مسن وكان يحمل كتابا , وذكر مرة أنه كان في يفرن في عهد الشيخ عبد الله الباروني رحمه الله , قال كلفني الشيخ المذكور بتعليم القرآن بمسجد قبيلة الشقارنة , فأقبل الأطفال الصغار والشباب علي حفظ كتاب الله , وحدث أن رجل كان يجيء كل يوم إلي المسجد ويجلس في زاوية قرب صالة التعليم , وبعد أيام دعاني وقال لي : من قال لك علم القرآن بهذه الطريقة , قلت : هكذا تعلمت , فقال لي : ” العاصي إذا وصل عاصي رده وقل له عاود والعزابي خليفة إفوت ” . ذكرت ذلك الشيخ فاستغرب وقال : ” لا لا كل الناس سواء ” . أفلا يكون هذا احتكار لكلام الله أيضا .

رواسب فترة الخمود والجهل والأمية
لم تمر هذه الفترة علي المجتمع بسلام بل تركت فيه رواسب ومضاعفات وعادات وتقاليد وبدع وأخلاق جاهلية , انحرف بها المجتمع عن الجادة البيضاء التي قال فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ” تركتكم علي الجادة البيضاء ليلها كنهارها ” .
حاولت أول الأمر أن أتحدث علي هذه الرواسب والمضاعفات واحدة واحدة , ما عولج منها وانتهي أمره وما بقي والتعليق عليهما ولكن حال دون ذلك أمران :
أولا : خوفا من التطويل .
وثانيا : خوفا من الخروج عن موضوع التاريخ إلي محاربة البدع والتقاليد البالية .
وأخيرا قررت الاكتفاء بالإشارة إليهما ، وعدلت عن التفصيل ، وربما عدت إليهما في غير هذه المناسبة .

أول من هاجر من طمزين لطلب العلم
في هذه الفترة التي خيم فيها الجهل علي طمزين وضربت الأمية أطنابها عليها , أول من هاجر من هذا البلد لطلب العلم : عاشور بن سعيد رحمه الله , رجل من محلة طمزين ذهب إلي مزاب عن طريق غدامس بالطبع , وتتلمذ في مزاب علي بعض الشيوخ , ولعل ذلك كان في عهد قطب الأمة الشيخ محمد بن الحاج يوسف أطفيش رحمه الله , وعلي كل حال تعلم هناك وتفقه في الدين، ” من أراد الله به خيرا فقهه في الدين وعلمه التأويل ” ، ورجع إلي البلاد فعلم ووجه وأفتي . ومما سمعت عليه من قبلنا الذين أدركوه وعاشوا معه , قال يحكي عن نفسه عندما عزمت علي الرجوع إلي طمزين قصدني رجل أعطاني صرة من النقود , يعلم الله كم بها , وقال لي : خذ هذه الأمانة صدقة مني استعن بها ، قال : فأبيت أن آخذها , وقلت أعطها لغيري فإني غني عنها . والحمد لله .
ومن أعماله أيضا عندما وصل إلي طمزين أراد أن يحدد أميال السفر , فعمد إلي حبل واصطحب معه مجموعة من الناس وأخذ يقيس بهذا الحبل المسافة اللازمة للمسافر حتى يجوز له بعد ذلك التقصير في الصلاة وبدأ القياس من طرف العمران ,قالوا بدأ من تحارت التي سبق الحديث عنها , وصار يمد الحبل ويقيس إلي أن بلغ أشطيب في شرق طمزين يقال له ” أشطيب العلاونة ” . ولماذا لم يتجه بالقياس شرقا وغربا , لأنه أخذ بقول الفقهاء الذين يعتبرون من حوزة نفوسة من وازن غربا إلي تغرمين الزنتان شرقا كلها وطن واحد , يصلي فيه التمام .

استمرار البعثات الطلابية
وبعدها استمرت البعثات الطلابية لكل من مزاب وجربة وتونس وكلهم تعلموا القرآن ومبادئ الشريعة , وجاءت فترة غطوا فيها مساجد قري فساطو فكل مسجد منها به إمام ومقرئ من طمزين , كما امتدت هذه البعثات إلي المعهد الزيتوني بتونس , ورجعوا إلي القرية مما تيسر لهم من المعلومات الدينية والعربية وغيرها من العلوم , وبعد رجوعي من تونس مباشرة انتدبت للتدريس بزاوية الحاج عبد الله الباروني رحمه الله لعدة سنوات بيفرن .

أول مدرسة حكومية بطمزين
في سنة 1944 من ميلاد المسيح عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام وفي عهد الإدارة البريطانية لليبيا تأسست بهذه القرية أول مدرسة ابتدائية في التاريخ وشيدت بالمجهود الذاتي , وتكونت من حجرة واحدة وكان بناؤها من حجر وطين وسقفها من جذوع النخل , والتعلم بهذه المدرسة إلي الخامس فقط , ثم ينتقل الناجحون من الصف الخامس إلي مدرسة كاباو أو غيرها, وفي سنة 1958م حصلت الموافقة علي زيادة الصف السادس الابتدائي وعندها تكاملت الدراسة الابتدائية في هذه المدرسة .

المدرسة الإعدادية
وفي سنة 1973م حصلت الموافقة من أمانة التعليم الأساسي علي المدرسة الإعدادية بطمزين .

المدرسة الثانوية
وفي سنة 1992 من ميلاد المسيح عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام وافقت أمانة التعليم علي إقامة المدرسة الثانوية بطمزين , القسم العلمي فقط .

إقبال الفتاة علي العلم في طمزين
من تاريخ الموافقة عل فتح فصول المدرسة الإعدادية والموافقة علي التعليم الثانوي , أقبل الفتيات علي التعليم بجميع مراحله إقبالا منقطع النظير , وكذلك الإقبال علي تعلم القرآن الكريم وتعليمه ” وخيركم من تعلم القرآن وعلمه ” .
أما بالنسبة للشباب فمن ذلك التاريخ بدأ يدب فيهم الفشل وعدم المبالاة .
هذا كما كثر الخريجون من الجامعات الليبية ومن المعاهد العلمية علي اختلاف أنواعها , وكثر الموظفون في الدولة . وأصبح بلد طمزين ككل البلدان في المنطقة وربما تفوقت عليها أحيانا .
و الحمد لله أولا و أخيرا

المركز الثقافي بطمزين
حرصا من الطبقة الواعية في هذه المنطقة , قامت بمطالبة الجهات المسئولة في أمانة الإعلام بفتح مركز ثقافي في هذا البلد , بصفته مركز علمي وثقافي هام , وبعد السعي المتواصل و الطلبات المتكررة , وافقت الأمانة علي فتح المركز , وتزويده بكل ما يلزم من أثاث وكتب وموظفين , واتخذت عدم وجود المبني وسيلة وذريعة للامتناع , وما كان من المواطنين حرصا منهم علي المصلحة العامة مهما كلفهم ذلك , فأزالوا هذه العقبة التي تعلقت بها الأمانة وقاموا بتشييد المركز بالمجهود الذاتي ولسان حالهم يقول :
إنما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا علي أحد .
وبتاريخ 1975 من ميلاد المسيح عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام افتتح المركز المذكور , وهو قائم الآن يؤدي رسالته إلي المجتمع , ككل المراكز الثقافية في البلاد .

الماء في طمزين

نسمع ممن قبلنا أن رجلا غريبا جاءت به المقادير إلي طمزين أخذ إبريقا وطاف به سبع منازل يطلب الماء للوضوء فلم يجد عندهم ماء , ويقال عندهم دعا علي هذا البلد بقلة الماء والعلماء.
أقول إن صح هذا الخير فإن الرجل علي درجة كبيرة من السذاجة والجهل . فلو كان واعيا لأتجه إلي التيمم والله يقول ” فإن لم تجدوا ماء فتيمموا ….. الخ ” ثم ما ألجأه إلي هذا الدعاء عل خلق الله , بانعدام أو تقليل مادتين ضرورتين , مادة الحياة الروحية والجسدية .
ولعل هذا مثل يضرب لقلة الماء في هذا البلد في ذلك الوقت , أما الآن فإن طمزين ثبت علميا وعمليا أنها تسكن فوق بحر من الماء العذب , وهذا بعد أن قامت الجهات المسئولة في الدولة بمسح جيولوجي كامل بحثا عن الماء في منطقة الجبل الغربي , ابتداء من غريان وانتهاء ببلدة وازن في الحدود التونسية , تقرر أن تكون اغني المناطق بالمياه الجوفية هي منطقة طمزين وتيجي , والآن والحمد لله قد دخل الماء في طمزين كل شارع وكل بيت وذلك ابتداء بتاريخ 1976 من ميلاد المسيح . والذي كان يحول بين طمزين وهذا البحر من الماء أمران لا ثالث لهما : الجهل والفقر .

عدد سكان طمزين حاليا

طمزين أكبر قري نفوسه وأكثرها سكانا بعد المراكز نالوت وجادو وكاباو , فقد بلغ عدد نفوسها في الإحصاء الأخير سنة 1997 بلغ 3112 نسمة وهذا العدد لا بأس به , رغم أن طمزين كثيرا ما تعرضت للأمراض السارية المعدية بين الحين والحين . ففي الثالثة أو الرابعة بعد الرجوع من مخيم الوطنية أصيب هذا البلد بمرض الجدري ” الحصبة ” ذاك المرض العضال الذي استعصي علاجه علي الأطباء في العصور الأولي : انتشر هذا المرض في القرية حيث لا طبيب ولا دواء في تلك الفترة العصيبة , فذهب ضحيته عدد كبير من الأولاد والبنات .
وفي السنة 1945 من ميلاد المسيح نزل بالقرية مرض آخر , مرض فتاك معدي ذهب بحياة كثير من الرجال والنساء والأطفال , في تلك السنة كنت موجود بالبلدة بعد رجوعي من تونس مباشرة فأخذت نصيبي منه , وكنا ندفن كل يوم واحد أو اثنين أو ثلاثة كل يوم , ذهب ضحية هذا المرض عدد كبير حيث لا دواء ولا طبيب .
في سنة 1947م عاد مرض الجدري من جديد إلي القرية , وفتك بالأحداث من المواطنين فتكا ذريعا ذهب بالكثير من الأحداث .
وهذا المرض أي الجدري كان محتما علي كل ولد وبنت فهو كالتجنيد العام لا يفلت منه أحد, حتى كانوا يقولون : ” ما نحسب عندك أولاد حتى يمر الجدري ” والآن والحمد لله قد شنت دول العالم حربا شعواء علي هذا الداء , وجند له الأطباء والممرضين والأدوية المبيدة لميكروب هذا المرض , وأخيرا انتصروا عليه ولم يعد له ذكر في العالم والحمد لله .
وفي سنة 1965 نزل البلد مرض ساري أي معدي خاص بالأطفال بنين وبنات , ولما انتشر وذهب ضحيته مجموعة من الأحداث , وعندما بلغ الخبر وزارة الصحة قاضت بمكافحته , وبعثت بمستوصف متنقل مزودا بالأدوية والأطباء , وجاء وزير الصحة العام وزار مقبرة الأطفال .
وفي سنة 1975 انتشر مرض آخر بالقرية وذهب ضحية هذا المرض الكثير من المواطنين رجالا ونساء واكثر الوفيات من النساء وفي يوم واحد دفنا ثلاثة نساء كلهن يحملن اسم فاطمة.

عدد السكان بهذه المحلة لم ينمو النمو الطبيعي
نتيجة لهذه الأمراض المتتالية والفتن السابقة الذكر , فإن عدد السكان لم ينمو النمو الطبيعي , أضف إلي ذلك إحجام الشباب عن الزواج مبكرا , لا لارتفاع المهور كما يحدث في بعض المناطق , ولكن العائق الرئيسي لذلك هو أن كل شاب قبل أن يتزوج يريد أن ينتقل إلي مسكن حديث مؤثث ومفروش به موبيليا وتلفزة مسموعة ومنظورة , ويفضل أن تكون له سيارة أمام المنزل , إلي آخر هذه التكاليف والمظاهر , وما دري هذا الشاب أو الشبان أن الخير في القناعة , وما سمع قول الرسول عليه الصلاة والسلام : ” تزوجوا فقراء يغنكم الله ” وقوله : ” التمس ولو خاتما من حديد ” .

المستوصف بطمزين

وعلي إثر هذا المرض والأمراض الأخرى المتعددة التي تهدد حياة المواطنين في هذا البلد , قامت وزارة الصحة مشكورة ,بناء مستوصف حديث بهذه القرية وزودته بجميع ما يلزم من الأثاث والأدوية , والأطباء والممرضين , وعمال التنظيف والخدمات الصحية , وكان افتتاح هذا المستوصف بتاريخ 1979 من ميلاد المسيح وهو الآن قائم يقوم برسالته الصحية علي أكمل وجه وأتمه .

معسكر الشباب بطمزين ويسرني أني كنت قائدا له

وفي السنة الثانية بعد قيام الثورة المباركة نورة الفاتح من سبتمبر أي سنة 1970 م اتفق سكان هذا البلد علي فتح معسكر للشباب يقوم بشق طريق جبلي يربط محلة طمزين بالطريق الرئيسي المار بسهل الجفارة , طول الطريق 20 كيلومتر منه ما يقرب خمسة كيلومترات العمل فيه بالمفرقعات فهو من الصعوبة بمكان ولكن بسبب الاتفاق والعزم والنية الصادقة , ومساعدة مصلحة الطرق , ووزارة المواصلات ووزارة الشباب , ومساعدة سكان المناطق المجاورة في العمل , بفضل ذلك كله لم تمضي فترة الصيف حتى كان قد تم العمل وصارت السيارات ذاهبة آيبة فيه .
ويشرفني أن اخترت لقيادة هذا المعسكر . والحمد لله أولا وأخيرا .

إضاءة قرية طمزين بالكهرباء

كانت قرية طمزين ككل القرى في الجبل والسهل والساحل تعيش في الليل خارج البيوت علي ضوء القمر , وفي داخل البيوت مصابيح الزيت وقلَّ من يجد مصابيح الزيت .
والبقية يعيشون ليلهم في ظلام دامس مرعب مخيف كما تعيش الخنافس والخفافيش والزواحف من الحيوانات , إلي أن جاءت الثورة المباركة ثورة الفاتح من سبتمبر سنة 1969م . جاء معها النور يشع في كل المدن والقرى ومنها قرية طمزين , فقد دخل النور فيها كل بيت وكل شارع وكل زقاق وكل زاوية في القرية . ووصل النور إلي هذه القرية بتاريخ 1977م .
الفتنة نائمة لعن الله موقظها والحرب شر كلها لعن الله الداعي إليها

تعرض هذا البلد : قرية طمزين إلي حرب أهلية ساحقة , وكانت طمزين فيها مدافعة لم تهاجم أحدا , لم تظلم ولم تعتدي علي أحد ,ففي يوم الخميس من أواخر شهر أكتوبر سنة 1340للهجرة النبوية الموافق لسنة 1922م قامت بعض القبائل بالهجوم المسلح علي هذه القرية الآمنة المطمئنة , ففي ضحي ذلك اليوم بدأت المعركة , ولم تدم إلا بعض ساعات فما حان وقت صلاة العصر من ذلك اليوم إلا وقد انجلت المعركة , وذلك لأن القوتان المهاجمة والمدافعة غير متكافئتين . وأسفرت المعركة علي احتلال القرية , وخروج من فيها من النساء والأطفال والعجزة , كم أسفرت علي استشهاد خمسين رجلا وامرأتين ورضيع . هذا عدا الجرحى والمشوهين . وهذا الحديث يكتبه شاهد عيان , وإن كان صغير السن . والأمر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون .

السوق الشعبي

من منجزات ثورة الفاتح من سبتمبر 1969م بناء السوق الشعبي بطمزين والذي يقع علي الطريق الرئيسي قرب المدرسة الابتدائية للبنين .
وقد شرع في تسوية أرضه في سنة 1991م وهو الآن علي وشك التمام ولم يبقي فيه إلا تشطيبات بسيطة .

شهادة عالم كبير

في فترة تاريخية سابقة زار طمزين الشيخ سليمان عبد الله الباروني وسجل علي طمزين ما يأتي:
” بلد طمزين يقع بين فرسطاء و تندميرة ، أهلها مجدون في تعمير مساجدهم , وإذا زارهم عالم في الدين أمطروه بوابل من الأسئلة الدينية ولا يخلو من فقيه صالح ” .

البحث للشيخ صالح الجالي تكملة سليمان الشيباني

 

أرسلت من قبل (مادغيس) موحمد ؤمادي في أماكن وتحتوي على تعليقات(3)

3 تعليقات ل “قرية طمزين”

  1. محمود حسين كوردي قال:

    سأضيف معلومة بسيطة حول الشيخ صالح الجالي صاحب المقال أعلاه، أنه أقام فترة من حياته في مدينة يفرن لغرض التدريس فيها، وكانت اقامته في قرية: (آت معان) في بحوش السيد أبو خريص أبو زخار المعاني. وكانت اقامته بيفرن لها آثار علمية على المدينة من نشره للعلوم وتحفيظه للقرآن الكريم لطلبة العلم بيفرن. والسلام.

  2. محمود حسين كوردي قال:

    طبعاً تحدث الشيخ صالح عن ثورة الفاتح ووصفه لها بالمباركة كان نتيجة الخوف والرعب الذي بثه الحاكم الدكتاتور في ليبيا.

  3. غير معروف قال:

    اقوي تحية لي طمزين هكي الصح

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك