header6.jpg

بتر

البُتْر، اسم يطلقه النسابون والمؤرخون المسلمون على قسم من السكان الأمازيغيين في شمال إفريقيا، تمييزا لهم عن القسم الثاني منهم والذي ينعتونه باسم البرانس. وإلى هذين الشعبين البتر والبرانس ينتمي كل هذا الأمازيغيين حسب ما يزعمه المؤرخين المسلمون القدماء. الانتماء في نظرهم انتماء سلالي، لأنهم يعتبرون أن البرانس ينحدرون من صلب جد أعلى اسمه بُرْنُس، وأن البتر سلالة واحدة منحدرة من جد أعلى واحد هومادغيس الأبتر.

وقد تناول ابن خلدون هذا الموضوع في كتاب العبر بكثير من التفاصيل ما كان له أن يدرجها في موسوعته لولم تكن متوفرة لديه. وكونها متوفرة دليل على أن الناس قبله اهتموا كثيرا بمسألة أنساب الأمازيغيين، ونسجوا تاريخهم كله على منوال النظرية السلالية أوالجينيالوجية المعتمدة عند الساميين في الشرق الأوسط.

ورغم أن الواقع الجغرافي والتاريخ لا يزكيان البناء الجينيالوجي المطبق على سكان شمال إفريقيا الأمازيغيين ككل، خصوصا على مستوى العام أي على مستوى التقسيمات الكبرى، فإن النظرية النسبية لعبت دورا بينا كإيديولوجية مجمعة على المستوى المتوسط والأدنى. خصوصا عند تجمعات الرحل من زناتة وصنهاجة مثلا.

ويرجع هذا، على ما هومرجح، إلى ضرورات نمط عيشها، وتأثيرها بالنموذج الجينيالوجي الشرقي الذي اطر بشكل فعال ممارسات العرب الوافدين إبان الفتوحات الإسلامية فيما يتعلق بتحديد علاقاتهم فيما بينهم هم وزبنائهم من الموالي الشرقيين والمغاربيين، أوقي ما يتعلق بإدماج مجموعات كبيرة من الزناتيين بالخصوص في حلف القيسيين،وهذا ما فعله حسان بن النعمان مع الزناتيين الذين كانوا في مواجهته، حين ضمن تحالفهم معه باعترافه هوومن معه من كبار القيسية بإخوة الزناتيين والقيسيين إخوة نسبة تضمن لهم المساواة الكاملة مع العرب. وربما كان هذا التحالف هوأصل ما يدعيه قسم من البتر من الانتساب إلى بر بن قيس ولا شك ان قائدا عربيا آخر ينتمي إلى اليمنية، الحزب المضاد للقيسية، فعل نفس الشيء مع قسم من صنهاجة،فيكون ادعاؤهم الانتماء إلى حمير نتيجة تحالفهم مع الحزب اليميني. وإذا كان المؤرخون بمن فيهم بعض القدماء، يشكون في صحة وجود هذا الهيكل الجينيالوجي الذي بناه النسابون والمؤرخون المسلمون الأوائل، والبسوه برنسا طويلا تارة أورداء قصيرا ابتر تارة أخرى، فان هناك مبررات أخرى يمكن ان تكون هي أصل هذا التمييز بين من يسمون بالأمازيغيين البتر والأمازيغيين البرانس.

أهم هذه المبررات هووجود اختلاف ضروري بين أناس يعيشون في ظروف طبيعية ومناخية متباينة، نظرا لما لتلك الظروف من اثر عميق في تشكيل أنماط عيش السكان وتنظيماتهم الاجتماعية وعاداتهم اليومية في المأكل والملبس والسلوك العام. فسكان المناطق الصحراوية يعيشون عادة رحلا منتقلين، وينتظمون في مجموعات عائلية واسعة، ويبرمون مع مجموعات أخرى تحالفات مصلحية تضمن لهم الحماية المتبادلة والتوسع المجالي الضروري لحياة الرعي والانتجاع، كما أن لباسهم وطعامهم لابد ان يكون مناسبين لوسطهم الطبيعي.

وبالنسبة لسكان المناطق المعتدلة نجد ان تأثرهم بمحيطهم الطبيعي على جميع المستويات شيء لا جدال فيه، ولكن بشكل يختلف عما يلاحظ عند الصحراويين مثلا، هكذا. بل ان الاختلاف يظهر داخل المجال الواحد، كما هوظاهر بين سكان الجبال السهول المتجاورين على سبيل المثال.

ان كل هذا يعد من قبيل البديهيات كما هومعلوم. لكن الذي يهم من التذكير به هوان هذا النوع من الاختلاف الطبيعي يؤدي إلى أحيانا إلى تكثيف أحداث كبيرة، بعد توظيفه توظيفا إيديولوجيا مناسبا لضرورة اللحظة التاريخية.

وهكذا، فان تصنيف النسابين والمؤرخين المسلمين الأوائل للأمازيغيين إلى بتر وبرانس له علاقة ظاهرة باختلاف الملبس لدى الفريقين. إذا اعتبرنا ان البرانس جمع كلمة برنس. والبرنس هوالكساء المعروف لدى المغاربة بأسماء أخرى مخالفة واعتبرنا ان البتر جمع للفظ ابتر، وهذه الصفة تعني من بين ما تعني المقطوع أوالقصير من الأشياء. وقد يكون هذا القصر كساء.

ورغم هذا فان تأويل النسابين لم ينح هذا النحو، بل أنهم أبوا إلا ان يجعلوا من برنس ومادغيس الملقب بالأبتر اسمين لرجلين اخوين، وعدوهما جدين أعليين لكل الأمازيغيين، وإليهما ينسبونهم.

وكلمة بتر، على ما هوشائع كلمة عربية وجمع للصفة أبتر، وتعني “ المقطوع، ومقطوع الذنب من الحيوانات، وما كان قصيرا أوخبيثا من الحيات، ومن لا عقب له “. وهذا المعاني كلها لتصلح ان تكون صفة مقبولة لشعب له عقب، وليست له أذنان لتقطع، اللهم إلا إذا كان القصر الذي تعنيه الكلمة لا يختص بالحياة.

وحتى في هذه الحالة لا نعلم هل القصر يصدق على ذات الشخص أوعلى ملبسه أوعلى شيء آخر يختص به.

وإذا كانت كلمة ابتر من أصل عربي حقيقية،فان إطلاقها على الأمازيغيين لا يمكن ان يكون إلا من العرب، وليس من المعنيين بالأمر أنفسهم. لان هؤلاء لا يمكنهم ان يسموا أصلهم البعيد باسم مأخوذ من لغة أخرى لا يعرفونها. ولم يقع لهم بعد معها الاتصال. وفي هذه الحالة ينبغي ان نبحث في اتجاه آخر ممكن، وهومعجم اللغة الأمازيغية لعل فيه ما يشفي الغليل أوما ينبغي النقاش حول المسألة المطروحة علي اقل تقدير.

سأقترح هنا ثلاث كلمات نظرا لقربها من حيث النطق من كلمة بتر، ولان المعاني التي تؤديها ليست بعيدة كل البعد عما يمكن ان يتصف به الشعب الذي أطلق عليه اسم البتر من صفات تاريخية.

الكلمة الأولى التي لا تزال مستعملة عند أمازيغي المغرب هي أبِضَرْ وتجمع على إبِضَرْنْ، وتعني: الأعرج.

وبمجرد حذف “أ“ الأولى كما يفعل الزناتيون عادة، وقلب الضاد طاء كما يقع عادة عند الأمازيغيين عامة. أوتاء كما يحدث في بعض الأحيان داخل لهجة واحدة، ستصبح الكلمة “ بِتَرْ “ إذ ذاك يكون التشابه الشكلي واضحا بينها وبين الكلمة العربية “بَتَرَ“ أو“أبْتَر“ إذا احتفظ بالهمزة الأولى من الكلمة الأمازيغية. ومن الراجح ان يكون التحويل ـ انم هوحدث فعلا ـ قد وقع من “أبِتَرْ“ إلى “أبْتَر“ بإدخال تغيير بسيط في شكلها.

أما الكلمتان الثانية والثالثة. فهما مأخوذتان من المعجم التارگي الذي احتفظ لنا أكثر من غيره على أقدم ثروة لغوية أمازيغية، سواء من حيث المفردات أومن حيث استعمالاتها المتنوعة ومعانيها العديدة واشتقاقاتها الضرورية.

الكلمة الثانية إذن هي بُدْرْ، والفعل منها إبُدْرْ. وتعني “ ان يكون المرء أباء شديد الرفض للخضوع إباءً، أوان يكون المرء لا يحترم أهله أورئيسه الديني سواء بالأقوال أوبالأفعال“. ويمكن ان يفهم من هذا المعنى الأخير ان المقصود هوالتحرر من سلطة الأهل وسلطة رجال الدين. إذ التحرر منهم يعتبر عادة انعدام وجه من وجوه الاحترام لهم.
بالنسبة إلى كلمة بُدْرْ يمكن ان تصبح هي بدورها بُتْر بتحويل الدال تاء، وهذا شيء مشهود به كذلك في الأمازيغية.

وإذا نطلقها الأمازيغيون كذلك (بُتْرْ) فان اقتناءها بالمعنى العربي من قبل النسابين ـ الذين كتبوا في الموضوع بالعربية ـ يصبح سهلا. كما ان تأويلها لتناسب النظرية الجينيالوجية لا بد ان يكون بعيدا عن المعني الأصلي للكلمة الأمازيغية.التي تعني الخروج عن السلطة وعدم الخضوع لها، وهذه صفة معروفة للرحل القاطنين في الصحاري. ومعلوم ان الشعوب التي تنسب إلى البتر كانوا في البداية على الأقل من رحل الصحراء الليبية منذ أقدم العصور.

نأتي إلى الكلمة الثالثة والأخيرة، وهي إبِدْرْ وتجمع على إبِدْرْنْ، وتعني كل ثوب ـ كيفما كان نوعه وأبعاده ـ يوضع على الكتف ويمر تحت الإبط المقابل، ويدار طرفاه على وسط حامله فيكون له نطاقا.

وإبِدْرْنْ بالجمع، تطلق أحيانا على ثوب يمر على الكتفين كليهما وتحت الإبطين، ويتقاطع على الصدر والظهر، ويدار طرفاه على وسط حامله فيكون له حزاما. ومن حيث ما يمكن ان يكون قد وقع من تحولات صوتية في الكلمة، فهوشبيه إلى حد كبير بما افترضنا ووقوعه في الكلمتين السابقتين.
نرى كذلك بالنسبة إلى الكلمة الأخيرة، ان لها علاقة بالملبس، بل بطريقة معينة في استعمال ما يلقي الجسم لباسا ظاهرا للعيان، بحيث تكفي رؤيته ليعرف الانتماء الجغرافي أوالقبلي أوالحلفي لحامله.

ويبدوان نوع اللباس أوطريقة ارتدائه كلا أوبعضا. كان بمثابة علامة خارجية يتميز بها الخصوم عن بعضهم البعض كما تميزهم الأعلام البنود أوخوذ الجنود.

هذا النوع من الحفريات اللغوية ـ ة اللغة من أقدم المصادر الأركيولوجية للتاريخـ إذا لم يفض إلى الكشف عن حقائق جديدة من الجوانب الغامضة من تاريخنا، فهوخليق بإدخال عناصر أخرى لتفسير تلك الغوامض، يجد فيها العقل السديد ما يثير فضوله وبنحوبه صوب اتجاهات تخضع لمنطق الأشياء وتساير جدلية التاريخ.

ومع كل ذلك فان كلمة البتر لا نصادفها إلا في المصادر المكتوبة بالعربية. لان تصنيف الأمازيغيين إلى بتر وبرانس لم يظهر إلا بعد دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا. وخارج تلك المصادر، لا نجد للكلمة أثرا ملموسا في الواقع، إذ لم يثبت لحد الآن وجود علم جغرافي أوبشري يذكر بها.

في حين بقيت أسماء الشعوب التي تنسب إلى البتر متداولة إلى اليوم، ومنها: نفوسة ولواتة ونفزاوة ومكناسة وزناتة وضريسة…. ة لكل واحد منها بطون وافخاد كثيرة معروفة.
ويلاحظ انه رغم ان الكتب المعروفة متفقة على ان البتر هم أصلا من شرق إفريقيا الشمالية إلى الغرب من نهر النيل، فان فرقا كثيرة منهم توجد منتشرة في كل من المغرب الأوسط والأقصى منذ زمن بعيد. ولسنا متأكدين هل كان اكتساحهم لهذه المناطق الغربية قبل الفتح الإسلامي أوأثناءه.

وتوجد مراكزهم بصفة خاصة في منطقة الأراضي ما قبل الصحراوية الممتدة من ليبيا إلى سجلماسة وتلمسان وفگيگ مرورا بجبال أوراس… كما توجد فرق منهم في حوض سبووأماكن أخرى متفرقة.

وعن دور هذه الشعوب في تاريخ شمال إفريقيا، يمكن ان نقول بأنه كان دورا نشيطا جدا منذ القدم. فقد قاوموا بعنف واستماتة الوجود القرطاجي والرماني انطلاقا من أوطانهم بليبيا وجنوب تونس الحالية وجنوب شرق الجزائر. وتميزوا في معاركهم بتفوق حربي بارز، وساهموا مساهمة فعالة في فتح شمال إفريقيا والأندلس في عهد الإسلام، لان قسما منهم حالف العرب الفاتحين منذ البداية، وانخرطوا في جيوش الإسلام، وخاضوا المعارك لإخضاع باقي القبائل. كما أنهم تزعموا ثورات ضد الولاة العرب في إطار الحركة الخارجية التي أدت إلى تفويض أركان السلطة الأموية في شمال إفريقيا بصفة نهائية.

كما أسسوا إمارات ودولا معروفة في كل من الجزائر والمغرب بصفة خاصة. كما أنهم لعبوا دورا متميزا في تعريب قسم كبير من الأمازيغيين لأنهم تعربوا قبل باقي إخوانهم وذلك لأنهم وضعوا “ أيديهم في أيدي العرب لتشابه الحياة عند الفريقين واستهدافهما لكثرة من المقاصد المنبعثة عن غرائز طبعها عليها أوعادات ألفاها“ (قبائل، ص 3.1).
أما البرانس فهوجمع للفض برنس الذي ينطق بالأمازيغية أبْرْنُسْ ويجمع على إِبْرْنَسْ، كما تنطق فيه السين صادا أوزايا مفخمة. وتعني اللباس المعروف الذي يسميه المغاربة بالسلهام.

يبدوان الكلمة من أصل أمازيغي، رغم ان استعمالها لدى الأمازيغيين أصبح نادرا إذ ينعتون في غالب الأحيان أنواع هذا اللباس بأسماء أخرى مختلفة مثل: أسْلْهَمْ، أوأخِدُسْ أوأخْنِيفْ اوأهْدُّنْ أوأزْنَّرْ… وذلك حسب المناطق أواللهجات، ولعل هذه الندرة راجعة إلى كون الكلمة كانت مستعملة في البداية لدى مجموعات قليلة من السكان الأمازيغيين. وغالب الظن ان هذه المجموعات كانت تقطن بالقسم الشرقي من إفريقيا قبل دخول الإسلام إليها وأثناءه.

هذا من حيث الأصل اللغوي للكلمة، والذي يعرفه كما رأينا شيء من عدم الوضوح سواء في المعجم الأمازيغي أوالعربي (بَرْنَسْ، البرنس) أوالإغريقي ـ اللاتيني (BURRUS).
أما المدلول التاريخي لكلمتي بُرنُس وبَرَانس، فانه يطرح مصاحب أخرى أكثر تعقيدا من التي لها علاقة بالمدلول اللغوي. وبالفعل فقد اعتبر النسابون المسلمون الأوائل ان برنس اسم رجل يعدونه جدا أعلى لقسم كبير من سكان شمال إفريقيا، ينسيون إليه ويسمون البرانس. وفي هذه الحالة، لا احد يستطيع ان يتكهن بالمعني اللغوي لاسم الرجل بُرْنُس، في حالة ما إذا لم تكن له علاقة بالمعنى المتداول اليوم للكلمة.

غير ان الرأي السديد في ونظرنا هواعتبار ان الأمازيغيين الأوائل الذي عاشوا قرونا طويلة جماعات مستلة طليقة، لا تخضع لسلطة مركزية، تحافظ بالقوة على التوازن الضروري بين التجمعات البشرية المختلفة، وتخلق رموزا أخرى خليفة بتنمية روح التعايش بينهما، أقوال طوروا نموذجا بديلا يضمن لهم الانفلات من هيمنة الدولة المركزية والمحافظة على التصرف في إطار توازن ضروري بين مختلف الجماعات يعتمد نوعا من التمييز فيما بينها يكون ثنائيا في اغلب الأحيان. ورغم ان وسيلة التمييز تكون مختلفة حسب الظروف والملابسات المحلية، وكذا الاسم المميز، فان التقسيم الثنائي يبقى هوالسائد في جميع المناطق. ويكون التعارف بين الإخوة المتحالفين محققا غي مجالات جغرافية واسعة وكان اللباس أوطريقته من الوسائل المميزة البارزة التي تعتمد لمعرفة الحليف من غيره. خصوصا وان الاختلاف في الملبس يكون طبيعيا باختلاف الظروف المناخية بصفة خاصة.
فالبرانس الذين تقول عنهم المصادر التاريخية بأنهم كانوا يسكنون جبال أوراس فبل انتشارهم في مناطق مختلفة من المغربين الأوسط والأقصى، ربما البرنوس (هكذا كتبها البيذق) هوالسائد في لبساهم. فميزوا به هم وحلفاؤهم، كما تميز الصنهاجيون الصحراويون باللثام على سبيل المثال. وقد رأينا سابقا ان الحلف الثاني الذي يمثله الأمازيغيون البتر ربما كان يميز كذلك بلباسهم الغالب عليهم. ولا ننس ان هؤلاء كانوا جيران الأوائل من جهة الشرق حوالي جبال أوراس.

هناك فرضيات أخرى اقترحها الباحثون في إطار محاولاتهم أساس تقسيم الأمازيغيين إلى شعبين متقابلين ككفتي الميزان، ل تكاد تعلوإحداهما إلا وانخفضت الأخرى
إذا اعتبرنا العلاقة بينهما بصفة عامة جدا.

ومن هذه الفرضيات تلك التي ترجع إلى اختلاف نمط العيش بين الرحل والمستقرين، غير ان البرانس ليسوا كلهم مستقرين، كما ان البتر لا يتكونون من الرحل فقط. ومنها كذلك تلك التي تأسست على مبدإ الصراع بين الأصلي والطارئ، فالبرانس أصليون ـ في مساكنهم الأولى على الأقل ـ والبتر طارئون عليهم مدافعون لهم. ولكن هذا يمكن ان يكون مقبولا على نطاق محدود، فكيف أصبح أساس تقسيم عام يشمل الأمازيغيين ؟

يمكن ان تصاغ فرضيات أخرى محتملة حول المسألة، تسير في اتجاه يجعل من التأويل الجينيالوجي للثنائية الأمازيغية مبحثا سهلا وعقيما، لأنه مسدود المسلك. ولكن دلالة استعماله الإيديولوجي ذات أهمية تاريخية لا تنكر.

وكيفما كان الأمر، فان كتب الأنساب والتاريخ تذكر ان شعوب البرانس هي: مصمودة وصنهاجة وهوارة وازوبة وكتامة وعجيسة وازداجة واوريغة وغمارة. وهناك من يضيف إليهم. گزولة ولمطة وهسكورة. وكل شعب من هذه الشعوب يحتوي على بطون وأفخاذ مذكورة في الكتب المختصة.

والجدير بالذكر ان هذا التقسيم تقسيما مضبوطا يحظى باتفاق الجميع، فغمارة مثلا تعد عند البعض من مصمودة، وكتامة من صنهاجة. كما ان مسالة الاستقرار ليست قاسما مشتركا بين هذه الشعوب البرنسية، أضف إلى ذلك ظاهرة انتشارهم الواسع جغرافيا حيث نجد فرقا منهم في كل أقطار شمال إفريقيا الأمازيغية من أقاصي الصحراء الكبرى إلى جبال الريف وجبال أوراس ومنطقة القبائل بالجزائر وجبال الأطلس.

كما يلاحظ ان أي واحد من هذه الشعوب لا يحمل اسم البرانس، بل أسماء أخرى قديمة كذلك ومعروفة منذ بداية الفتوحات الإسلامية، وربما فبل ذلك.

ولا نكاد نجد هذا الاسم إلا في مناطق محدودة جدا من شمال إفريقيا كقبيلة لُبْرَانْس في شمال المغرب وفي اسم قرية في فحص طنجة وأولاد برنوس أوبنوبرنوس في نواحي مكناس وجبل البرانس في شمال مدينة قرطبة.

هذا الاندثار الشبيه بالكامل لاسم البرانس، ولا يمثل حالة منفردة في شمال إفريقيا، لأنه شبيه بما وقع لأسماء أخرى كثيرة منها البتر ومصمودة وبرغواطة وگنيفسة…. ويبدوان ذلك ناتج عن كون هذه الأسماء وليدة ضرورات سياسية واجتماعية وتندثر كلا أوبعضا بزوال تلك الضرورات أوتجاوزها، نظرا لتغير الأحوال وبروز أخرى تتحكم في الديناميكية التاريخية سواء على المستوى المحلي أوعلى مستويات أوسع. وهذا ما وقع بوضوح أكثر في اقرب فترات شمال إفريقيا إلينا.

أما عن الدور التاريخي للشعوب التي تنسب إلى البرانس فانه كان دورا هاما جدا، لأنهم طبعوا تاريخ شمال إفريقيا أكثر من إخوانهم المنسوبين إلى البتر ببصمات خالدة. بل ان آثار أعمالهم تجاوزت حدود المغارب لتتغلغل في أعماق الصحراء وساحل إفريقيا الصحراوي وفي شبه جزيرة إيبيريا ومصر.

وبذلك ساهموا في بناء الحضارة المغاربية مساهمة فعالة وعميقة، لا بالمشاركة الباردة في اكبر الأحداث التاريخية فحسب، ولكن كذلك بخدمة التربة الوطنية واغنائها والحفاظ عليها واستدرار خيراتها في السهول والجبال والصحاري والسواحل. ولم يمنع اختلاطهم المبكر بمختلف القوى الواردة على بلادهم من الحفاظ على شخصيتهم المتميزة. “وقد تمكنت قبائل البرانس بحكم استقرارها ومجاورتها لسيف البحر ان تتحضر وتتأثل المال وتستفيد مما كان المهاجرون والفاتحون الأجانب يأتون به من مدنيات وثقافات، كما نمت فيها لنفس السبب روح المقاومة، وكثر تعلقها بالأرض التي تقيم فيها والتي لم تالف ان تبرحها كالبتر الرحل “ (قبائل، 301).

معلمة المغرب /علي صدقي ازايكو/ صفحة 1029

أرسلت من قبل (مادغيس) موحمد ؤمادي في تعاريف,قبائل,مصطلحات وتحتوي على تعليقات(3)

3 تعليقات ل “بتر”

  1. ارجدال قال:

    مشكور جدا على هده المعلومات القيمة والتي تدل على اننا نحن الامازيغ من اهمل تاريخنا ولم يسجل مؤرخ امازيغي واحد ارخ للامازيغ قبل الاسلام على اي كملاحظة عن البتر فالبتر هي نعت ووصف للابتر وهو نقص في احد الاطراف والاكيد ان هوارة من البتر وماهو معاش هو ان لقب الاعرج نجده بكثرة عند الهواريين ومن ينسبون الى القبائل القيسية ومرادف الابتر بالامازيغية ارجدال التي لاتعني العرج الضاهر وانما نقص في طول الرجل وهدا ثابت متوارث بين البتر فتصكى بنت زحيك كانت عرجاء وتيهينان كانت عرجاء وهو لقب كدالك نجده بالسوس الاقصى بين اللامازيغ الرحل دوي الاصول الهوارية القيسية العدنانية الدين دخلوا ابان الفتوحات الاسلامية وصاروا بعد دلك مرابطون….

  2. نبيل مقبل لبتر قال:

    مشكور على المعلومات القيمه صحيح ان قبايل البتر رحل فاناء من قبيله لبتر اسكن باليمن بالتحديد منطقه شبه جبليه في قبيله ردفان فنرجوا منكم التواصل لكل من يخص اسمه من قبيله البتر وشكرآ_771982261_736196603

  3. محمد قال:

    شكرا على هذه المعلومات سؤال اختلاف مصادر حول هذه القبائل و فتح بلاد الغرب في وجهات النضر

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك